تشهد الجامعات والمعاهد العليا، عنفا متزايدا يثير القلق على الحياة المدنية والسياسية في السودان. فقد تكررت في الشهور الماضية حوادث قتل مباشر أو بالصدفة، خلال الاضطرابات والمظاهرات، راح ضحيتها طالبات وطلاب أبرياء، في مقتبل حياتهم.
وفي السودان يعتبر الطلاب، وهذا يفسر الاهتمام الفائق في متابعة انتخابات الاتحادات الطلابية، مختبرا يعول عليه كثيرا في قياس حركة السودان السياسية والمجتمعية. وهذا يفسر الاهتمام الفائق بمتابعة انتخابات الاتحادات الطلابية، وكأنها انتخابات رئاسية أو برلمانية. وكيف يهلل الفائزون للنتيجة، ويتم تبادل الاتهامات بالتزوير، وتكتمل فيها كل أجواء الانتخابات المعروفة.
وتنشط كل الأحزاب داخل الجامعات بدون انقطاع، حتى حين تحظر النظم الشمولية العمل الحزبي في كامل البلاد. فالطلاب في هذه الحالة استثناء، ولا تحاول السلطات قمعهم بالقوة، وقد يقوم زملاؤهم الموالون للنظام بهذه المهمة بالوكالة، وهذه بعض مثيرات العنف لاحقا. مثل هذه الامتيازات أو هامش الحرية، يغري القوى السياسية بأن تنقل جهودها إلى الجامعات عوضا عن المجتمع الكبير والشارع.
ويمكن القول، تجاوزا، إن الطلبة هم «الطبقة» الطليعية في العمل السياسي، مع انحسار الطبقة الوسطى السودانية وضعف الطبقة العاملة، وهامشية الفلاحين. فهم في الحقيقة فئة اجتماعية، وليست طبقة بالمعنى الاقتصادي ـ الاجتماعي. ولكن نشاطها وحيويتها، تجعل القوى السياسية تتعامل معها بأكثر من حقيقة مضمونها، وتضفي عليها قيمة سياسية أكثر. وهنا تظهر علاقة غريبة، إذ رغم هذا الدور المتعاظم للطلبة، لا تفسح الأحزاب الفرصة لصعود قيادات شابة. فما زال الحرس القديم يتمسك بالزعامة والقيادة، ولا يغيره إلا الموت وليس صندوق الاقتراع.
اكتسبت الحركة الطلابية السودانية دورها وقيمتها، بسبب قيادة مؤتمر خريجي المدارس العليا للحركة الوطنية والكفاح ضد الاستعمار. فقد كان الخريجون، مثل كل الدول التي رزحت تحت نير الاستعمار، هم طليعة النضال. فقد استفادوا من تناقض أهداف التعليم الذي ادخله الاستعمار نفسه إلى البلاد. فالاستعمار هدف إلى تكوين كوادر متعلمة تساعده في إدارة مستعمراته، بكلفة منخفضة.
ولكن لهذا التعليم إيجابيته، رغم محدوديته آثاره الجانبية. إذ مكن أبناء المستعمرات من قراءة التاريخ والنظريات السياسية والآداب التي تدعو إلى الحرية والكرامة الإنسانية، وهكذا شكلوا حركات التحرر الوطني في افريقيا وآسيا بالذات. وأصبحت السياسة في المؤسسات التعليمية العليا، جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية نفسها.
وكانت المشكلة في تحول العمل القومي العام إلى عمل حزبي بعد خروج الاستعمار. وجعلت الأحزاب، وبالذات «العقائدية»، الإخوان المسلمون والشيوعيون بالذات، من ساحات الجامعات الميدان المفضل لنشاطها. وهذا وضع طبيعي في الحالة السودانية، بسبب احتكار الأحزاب الطائفية التقليدية للأرياف والبوادي، وأجزاء من المدن. ولكن يمكن اعتبار ظاهرة الوجود الإخواني والشيوعي في الجامعات، قد أضرت بحرية الاختيار لدى الطلاب.
وتثير مسألة تسييس أو بالأصح تحزيب الشباب والطلاب، كثيرا من الجدل. إذ يرى البعض ضرورة إيقاظ الاهتمام بالشؤون العامة مبكرا لدى الشباب، لكي لا يكونوا لا مبالين بما يدور في أوطانهم. لذلك كانت تتحدد الانتماءات الحزبية منذ بداية المرحلة الثانوية (متوسط عمر حوالي 15 سنة)، حيث يكون اغلب الطلاب قد اختاروا مواقفهم: إخوان أو شيوعيين، ولم يكن للأحزاب الأخرى وجود مؤثر.
ومن يبقى بعيدا، أي مستقلا، تطلق عليه الصفات التحقيرية، مثل بيبسي كولا أو الطافحين نٌُفُّمَّْ، وهذا يعني أنه لا عمق له ولا اتجاه. وعندما ينظر المرء الآن لعملية التحزيب التي يطلق عليها، وعن حق: التجنيد، فهي أقرب إلى العمل العسكري والتعبوي منها إلى الإقناع والحوار والنقاش. وللمفارقة، لم يواكب هذا العمل الحزبي والحركي، عمل فكري في نفس المستوى.
وأصبح العنف الطلابي، والذي بزّ فيه الإخوان المسلمون كل الاتجاهات السياسية الأخرى، ظاهرة تعقد الندوات والورش لمناقشتها. ورغم التوقيع على عدد من مواثيق الشرف، كان يتم اختراقها كل مرة. ويؤرخ للاعتداء على حفل الفنون الشعبية (رقصة العجكو) مطلع الستينيات من القرن الماضي، كبداية لدخول العنف إلى الجامعة. ولكن الإخوان المسلمين يعتزون بهذه المناسبة، باعتبارها بداية «جهادهم» ضد الانحلال في الجامعة.
يأخذ العنف الطلابي في الفترة الأخيرة أبعاداً متعددة وشديدة الخطر. فقد جند النظام الحالي كثيرا من الطلاب في الأجهزة الأمنية: أصحاب الموتوسايكلات السوداء. كما لم تتم عقوبة من مارسوا العنف بسبب تساهل الإدارة في الداخل، والدولة من الخارج، وهذا تشجيع مباشر وغير مباشر. ولأن الأجواء الجامعية، غدت متوترة وكئيبة، لذلك انتقل العنف إلى العلاقات الاجتماعية. فقد قتل طالب زميلته قبل أسابيع ـ كما يبدو ـ بسبب علاقة عاطفية فاشلة.
وقد حدث القتل داخل الحرم الجامعي، وطاردها حتى معمل الكلية التي ينتمي إليها، وقضي عليها هناك. وهذا هو الحادث الثاني خلال شهور داخل الجامعة. وتفتقر الحياة الجامعية إلى نشاط خارج الصف أو بعد المحاضرات، بالذات المسرح الجامعي والفرق الموسيقية والفنون التشكيلية ونوادي السينما، فكل هذه النشاطات أصبحت إما بدعا أو لا توجد لها إمكانيات وميزانيات خاصة.
ويخشى المراقبون أن ينتقل العنف الطلابي إلى خارج الجامعة، خاصة وان الجامعة تمثل امتدادا حيا للأحزاب السياسية. ومع قرب الانتخابات، تكون الأجواء مشحونة، والناس على استعداد لقبول الاستفزازات والشائعات. ومن أهم أسباب كتابة هذا المقال ما جاء في أخبار يوم 12/ 2/ 2010، فقد نشرت الصحف الخبر التالي: «عثرت شرطة أم درمان أمس على طالب في جامعة الخرطوم، كلية التربية، ميتا في ظروف غامضة في حي الروضة أم درمان».
ونفس الخبر نشر في صحيفة أخرى بهذه الصيغة: «احتشدت جموع غفيرة من طلاب كلية التربية وطلاب دارفور في الجامعات أمس، في مشرحة أم درمان، بسبب مقتل الطالب محمد موسى عبد الله (...)، وقال شهود عيان من زملائه ان الطالب من منطقة كبكابية وناشط في الجبهة المتحدة جناح حركة عبد الواحد في الجامعات (.....) وجدت بالقرب من بوابة الكلية عربتا بوكس قامتا باختطافه إلى مكان مجهول» (رأي الشعب 12/ 2/ 2010).
وتلقفت مواقع الانترنت السودانية الموضوع بطريقة تثير المشاعر، وتهدد باندلاع عنف أو على الأقل زيادة الاحتقان قبل الانتخابات. وبالتأكيد سيكون مجال العمل الطلابي مصدرا لاحتمالات صراعات تتخطى المنافسة السلمية، خاصة وأن الحرية المتاحة في الجامعات أوسع. فلا بد من العمل على تجفيف الساحة الطلابية من عوامل التوتر. ولكن الاحتمال الآخر أكبر، أي تسخين الساحة الطلابية للتأثير على الخارج أكثر ولا أريد القول استغلال الطلاب.
