ارتبط الإنسان بعلاقة متوترة مع النار قبل الميلاد بآلاف السنين، منذ أن بدأت رحلته الأولى للبحث عن مصادر الطاقة، ولم تكن نواة هذه العلاقة إلا تلك الملاحظات التي كانت تتعاقب عليه ليلا ونهارا، حين يرى بأم عينيه فعل النار في أشجار الغابات، فتحيلها أكواماً من الفحم، فأدرك أن لهذه النار قدرة مدمرة، فنظر إليها بعين الحذر والريبة ورآها بعين العدو لا الصديق، ومع مرور الزمن.
وكنتيجة حتمية لتطور حياة الإنسان، ازدادت حاجته الماسة إلى النار، فاستطاع أن يطوعها لتلبية احتياجاته وأن يبرم معها علاقة تصالحية، إلا أن هذه العلاقة شابها الحذر الشديد، فهو لم يغفل عن الخطر الكبير الكامن وراء هذه الطاقة الملتهبة، بل أدرك بعين الخبير أنها ـ وإن كانت تلبي احتياجاته ـ إلا أنها في الوقت ذاته قادرة على أن تجعل حداً لحياته، فقاده عقله إلى التعامل معها بحذر شديد بين رغبة ورهبة، واستمرت هذه العلاقة الحذرة قرونا من الزمن، إلى أن توصل الإنسان المعاصر إلى ابتكار وسائل متعددة زادت فرص استفادته من النار، وساهمت في بناء حضارته.
ولكن يبدو أننا، وبعد أن حققنا شوطاً كبيراً في مجالات استخدام النار، ما زلنا نهوّن من خطرها ونتعامل معها باستخفاف كبير، ولا أدلّ على ذلك من الحرائق المتكررة هنا وهناك. إن غياب الثقافة المتعلقة بهذا النوع من المخاطر، ولا سيما في مجتمعاتنا العربية بدرجة أكبر، لهو من أجل الأسباب وراء الحرائق، فإن نظرة واحدة إلى أسباب الحرائق المتكررة في منازلنا ومصانعنا وحتى غاباتنا، وما ينجم عنها من خسائر بشرية ومادية، مرده غياب ثقافة الحريق التي هي مطلب مهم وغاية أهم، وما أيسر الحصول عليها وتثقيف مجتمعاتنا بها.
إن خسارة الممتلكات، على الرغم من جسامتها في أحايين كثيرة، فإنها لا تعدل خسارة نفس بشرية واحدة، تلك النفس التي استودعنا الله إياها وأمرنا بالحفاظ عليها وصونها وحرّم إزهاقها، قال تعالى ؟وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ؟، وقد بين رسولنا الكريم مكانة هذه النفس، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتْل مؤمنٍ بغير حق}.
ولئن تعددت الأسباب والموت واحد، فإن ما يلاقيه الإنسان من العذاب ليس واحدا، فإن من يموت على فراشه بمرض أو من يموت بسكتة قلبية، ليس كمن يلاقي صنوف العذاب والنار تلتهمه التهام الوحش لفريسته. وليس الألم الجسدي وحده هو ما تسببه الحرائق، بل وكذلك الألم النفسي الذي هو الآخر لا يقل قساوة عن الموت، ففقدان رب الأسرة لفرد من أفراد أسرته أو فقدان الأسرة لمعيلها وقلبها العطوف، هي خسارة ما بعدها خسارة.
لا سيما حين تعلو صرخات الألم والاستغاثة وتمتد إليهم أيادي الرحمة، فتخطفهم يد الردى لتسكن صرخاتهم إلى الأبد، ومن ينجو من موت محدق قد لا ينجو من سياط اللهب حين تلهب ظهور ضحاياها، فما تلحقه لا يقل بؤسا وألما عن الموت نفسه، وكلاهما يحيل البيوت السعيدة الآمنة إلى دار عزاء وأحزان. هي النار إن وجدت ما تلتهمه زادت ضراوتها، فالجوع عدوها والماء موتها، لها أذرع تطيش في الميدان، وفراخ جياع تتسلل لواذاً بحثاً عمّا يسد جوعها، ومتى كثرت غنائمها زمجرت وانتشر لهيبها، وفاحت رائحة الموت في المكان لتخط أسماء ضحاياها برمادها.
إن الفاعل واحد، والمتهم غير واحد، وسؤال يتكرر عقب كل حريق: من المسؤول؟ وماذا ينفعنا الجواب وقد وقع ما كنا نحذر! ليست المسؤولية فردية، بل هي مسؤولية كل فرد في المجتمع. إن من واجبنا أن نسعى جميعا نحو ترسيخ مفهوم ثقافة الحريق بكل ما يتاح لنا من سبل، ولنبدأ بالمنزل حيث نواة المجتمع، وهذا يستلزم منا أن نكثف حملات توعية المجتمع بطرق مكافحة الحرائق، ويتأتى ذلك بالاستفادة من وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، كأن نخصص ساعة يومية عبر شاشات التلفاز، توعي المجتمع بأخطار الحرائق، وتحذرهم من الممارسات الخاطئة المسببة لها.
وكذلك التي من شأنها أن تزيد الأمور تعقيداً وتسهم في ارتفاع عدد الإصابات، وأن نكثف من توزيع المنشورات المصورة التي تضم إجراءات الوقاية والإسعافات الأولية، وتدابير السلامة في حالات نشوب الحرائق، فضلا عن تكثيف الدورات التدريبية لكل القاطنين على أرض الدولة من مواطنين ومقيمين.
وحبذا لو أننا نظمنا حملة للأحياء السكنية، تحت شعار «طفاية حريق لكل منزل»، تهدف إلى توفير طفاية حريق لكل منزل، فكثير من منازلنا يخلو من طفاية الحريق، وإذا ما وجدت، فإن كثيراً من قاطنيها لا يعرفون طريقة استخدامها، فلا تعدو أن تكون مجرد ديكور منزلي. إن وسائل الوقاية كثيرة وتدابير الإنقاذ كذلك، ولكن بشيء من الثقافة نستطيع أن نجنب أنفسنا ويلات الحرائق، وأن نتغلب على أضرارها وأن نبني مجتمعاً خالياً من الحرائق.