تمنع تقاليد العملين السياسي والدبلوماسي على أي مسؤول، إطلاق تصريحات فريدة وغريبة في جوهرها، لا سيما إذا ارتبطت بملفات حساسة، مثل الصراع بين إسرائيل والدول العربية، والدور الذي يمكن لبلاده أن تلعبه فيه.
وبرغم اقتناعنا بحق ذلك المسؤول في أن يستغل منصبه لممارسة العلاقات العامة، والتي يهدف من خلالها لتثبيت موقع بلاده على الساحة السياسية الدولية، إلا أن المنطق يفرض في بعض الأحيان واجب التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وتسمية الأمور بمسمّياتها.
أما الهدف من ذلك التدخل فليس السخرية لا سمح الله، بل إبراز الوقائع والشوائب القائمة، ودعوة المسؤول المذكور لإعادة حساباته جيّداً، كي يتمكن فعليا من ممارسة أي دور وسطي يرغب في لعبه ضمن سياق الصراع المذكور.
لماذا الحديث عن هذا الأمر؟
قبل أيام احتفلت تشيكيا وإسرائيل بالذكرى العشرين لإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، ضمن سلسلة من الفعاليات كان أهمها تلك التي شارك فيها عن الجانب الإسرائيلي وزير خارجيتها الأسبق موشي أرينز، وعن الجانب التشيكي رئيس وزرائها شخصياً يان فيشر وعدد آخر من الشخصيات المختلفة. وقد أبرزت هذه الفعالية سلسلة من المعطيات التي تكشف جوانب مهمة من العلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين، منذ إطلاق نشاطات الحركة الصهيونية العالمية حتى اليوم، لكنها أعادت أيضا إلى الأذهان مجموعة من الشوائب الخطيرة القائمة بين تشيكيا والدول العربية.
وقد كان من الممكن لهذه الفعالية أن تمر كغيرها من النشاطات الدبلوماسية الروتينية، لولا الكلام المنمّق الذي صدر عن رئيس الوزراء فيشر، بخصوص استعداد بلاده للمساهمة في التواسط من أجل إطلاق محادثات السلام في منطقة الشرق الأوسط، حيث يعتقد أن بلاده تقيم علاقات جيدة مع كل من إسرائيل والدول العربية، كما قال حرفياً.
إضافة إلى ذلك، فإن ما جعل هذا الحدث فريدا من نوعه، هو سلسلة من المواقف التي ترافقت معه، والتي أعادت إلى الأذهان الدور «المميز» الذي لعبته تشيكوسلوفاكيا السابقة، لرفد الجهود الصهيونية ببناء الوطن الموعود ليهود العالم، وكرّست «تميّزها» الواضح حالياً في رفد الجهد الإسرائيلي على أكثر من صعيد، وفي أكثر من جبهة.
في الواقع، إن ما أثار انتباهي وتحفّزي، لم يكن التعبير المذكور الخاص بلعب دور الوسيط بين العرب والإسرائيليين، والذي يدخل عادة في سياق التصريحات الدبلوماسية الروتينية الصادرة بشكل يومي عن معظم قادة العالم، بل ما استطرده رئيس الوزراء التشيكي مباشرة من أن براغ «تسعى لإقناع الاتحاد الأوروبي بتبنّي موقف مشترك حيال الدولة العبرية».
والمقصود بذلك، كما فُهم لاحقاً، هو إقناع بروكسل بتغيير دبلوماسيّتها الموضوعية غير المنحازة في الغالب لأي من أطراف النزاع الشرق أوسطي، ونسخ الأداء الأميركي بشكل كامل، لأنه يتوافق وتطلعات الشعب الإسرائيلي كما قال أرينز نفسه.
وهذا يختصر بشكل واضح تلك الشوائب القائمة في سياق الممارسة الدبلوماسية التشيكية، المنحازة في الجوهر كلّياً إلى جانب إسرائيل، برغم السعي الرسمي الدائم لطبع تلك الممارسة بأداء يوصف بالموضوعي، أو بالتعاطف المتوازن المزعوم مع طرفي الصراع!
وهذا ليس تجنّياً على هذه الدولة التي أجل وأحترم، فقد أثبتت ذلك بالأدلة والبراهين القاطعة، من خلال المواقف الكثيرة المسجّلة إبّان الأزمات الكثيرة التي ميّزت الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وكذلك من خلال مواقف مسؤوليها الرسميين الذين يتحدثون عن هذا الأمر عادة كمصدر للفخر والاعتزاز.
إن من رافق عملية تطور الإدراك الوطني التشيكوسلوفاكي، ولاحقاً التشيكي، خلال العشرين عاما الماضية، يمكنه أن يستشعر بوضوح معالم المراهقة الدبلوماسية التي ميّزت الأداء الرسمي، في ما يخص الصراع العربي ـ الإسرائيلي تحديدا.
وهذا الأداء قد أثار، ولا يزال، القلق في نفوس كثير من الدبلوماسيين العرب، الذين عملوا في هذه المنطقة من العالم. لقد تبيّن ذلك بوضوح من خلال المواقف الرسمية غير الواضحة التي كانت تصدر إبان الأزمات المختلفة، والتي افتقرت للموضوعية في ملامسة واقع الحال القائم في منطقة الشرق الأوسط، بل إنها كانت في بعض الأحيان تتجرأ على الانحياز كلّياً إلى الجانب الإسرائيلي عندما يشعر الأخير بأنه محاصر.
في جميع الأحوال، فإن ما يهمّنا في كل ذلك، ليس حيثيات المواقف الرسمية التي تتبنّاها تشيكيا أو غيرها من الدول، والتي تبقى حقاً سيادياً لها يجب أن نحترمه. ما نريد أن نتمسّك به حتماً، هو حقّنا في الإصرار على ألا يتم استغباؤنا من قبل أي كان، تحت شعارات كثيرة بعضها دبلوماسي الملمس وآخر وقح إلى أقصى درجة ممكنة.
ولا يمكن بالطبع أن تستمر الدول في بناء علاقاتها الاستراتيجية مع الدول الأخرى، من خلال تغليف رغبتها الحقيقية الرامية أولاً وأخيراً لتحقيق تجارة مربحة مع تلك الدول، بمشاعر الصداقة المزيّفة والخالية من أي حميمية صادقة.
لقد تجرّأ مؤخراً ييرجي باروبيك رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي التشيكي، وأشار إلى بعض مكامن الخلل القائمة في العلاقة بين تشيكيا والدول العربية، عندما كتب أنه في حال استلم حزبه السلطة بعد الانتخابات المرتقبة في يونيو المقبل، فإنه سيسعى لإنهاء «عصر التقليل من أهمية الدول العربية، وفي بعض الأحيان إهانتها مثلما كانت تفعل حكومة ميريك توبولانيك...»، وأنه «في حال كانت هناك رغبة من قبل الأطراف المعنية، فإن حكومته ستسعى لتقديم العون من أجل تقريب وجهات النظر بينهم...».
إنها كلمات مسؤول استشعر عن حق طبيعة العلاقات التي كانت قائمة، والتي كانت تحتوي على كل شيء إلا على الموضوعية المطلوبة والاحترام الحقيقي المتبادل. يبقى أن ننتظر كيف سيواجه هذا الكلام من قبل حلفاء إسرائيل المراهقين، والذين بدأوا فعلياً بشن الهجوم تلو الآخر.
