يقف لبنان اليوم على مفترق طرق وهو الذي استذكر أمس، ذكرى استشهاد رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري الذي أحدث انقلاباً مدوياً في البنية السياسية اللبنانية، بل يمكن القول حتى على الصعيدين الإقليمي والدولي. فالرجل الذي كان أكبر من أن يُحتوى ـ كلبنان، أطلق استشهاده قنبلة مدوية في العالم، أعطته الحجم الذي يستحقه كرجل دولة من الطراز الأول، ومؤثر ليس في محيطه العربي فقط، بل العالمي كأحد أبرز السياسيين الذين افتقدهم العشر الأول من القرن الواحد والعشرين.
كان استشهاده نقطة تحول في الداخل اللبناني، باعتبار أن تاريخ 14 شباط (فبراير) أرَّخ لمرحلة جديدة في حياة لبنان السياسية، باعتبار أن ما حصل بعد هذا التاريخ حدد بشكل قاطع صيرورة هذا البلد، من بلد كان ينظر إليه كتابع منذ أن كان الانتداب الفرنسي الذي أفرزته اتفاقية سايكس – بيكو المشؤومة، وصولاً إلى استقلاله الذي كان ثمرة اتفاق بين الطوائف على حياده الذي وضعه على مسافة واحدة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.
ثمة من يتحدث عن مراوحة لبنان في هذه المعادلة، متناسين جملة من التطورات التي تلت الاستشهاد، فتاريخ الاستشهاد كان المقدمة الحقيقية لإرساء اللبنة الأولى لاستقلال لبنان مع الانسحاب السوري في أبريل من عام 2005.
والمخاض العسير الذي خاضته القوى الاستقلالية رغم كل محاولات الترهيب الذي فرضت عليها لإقرار المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة رفيق الحريري، وثم فتح سفارة لبنان في دمشق، وسفارة سوريا في بيروت، والإقرار المبدئي بترسيم الحدود بين البلدين، كلها مؤشرات إلى الوعي الوطني اللبناني الرافض سياسة الإلحاق بالآخرين.
كانت نتائج الانتخابات التشريعية في يونيو 2009 استفتاء على هذه الخطوات وتجديداً للقوى الاستقلالية التي أوصلت سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة في لبنان، رغم كل المطبات السياسية التي وضعت في طريقه. ولعل الدور الذي لعبته المملكة لتقريب وجهات النظر بين سوريا ولبنان، كان حاسماً باتجاه إرساء الاستقرار الداخلي الذي ينعم به لبنان اليوم.
كما كانت الزيارة التاريخية التي قام بها سعد الحريري إلى دمشق، مؤشراً على أن سعد الحريري يتمتع بكل صفات رجل الدولة، ويسعى لإرساء علاقة بين البلدين تقوم على علاقة سليمة بعيدة عن الشخصانية التي تحاول بعض الأطراف اللعب على حساسيتها لتبقى الأمور متوترة بين البلدين.
لتكن ذكرى استشهاد الرفيق الحريري، انطلاقة جديدة لتكريس وجودية لبنان كبلد مستقل، وكما كان استشهاده موحداً لكافة اللبنانيين على رفض الاغتيال السياسي والسعي إلى إظهار الحقيقة والتسليم بما تحكم به المحكمة الدولية، على اللبنانيين أن يتوحدوا لمواجهة التحديات والتهديدات الصهيونية خاصة أن العدو الإسرائيلي يحاول أن يلعب على تناقضات لبنان المذهبية.
كان سعد الحريري واضحاً في هذا المجال، وارتدت محاولات إسرائيل إلى نحور قادتها، فهو سليل مدرسة رفيق الحريري الذي شرَّع للمقاومة ضد الاحتلال بعد عدوان أبريل - نيسان 1969 عندما جاب العالم دعماً لها، واحتضنها إلى أن حققت التحرير في مايو 2000.
