من يتابع الأفكار والتصريحات والخطط والمناورات والوقائع، ومختلف الإجراءات الإسرائيلية اليومية على مختلف الجبهات الداخلية والخارجية، يستخلص أن الأوضاع تسير بقوة في اتجاه حرب أخرى لا محالة، بل وكأن الحرب آتية واقعة غدا حتما!
ومثل هذا الاستخلاص ليس عبثيا او ضربة مندل، فتلك الدولة تتبنى منذ اختراعها ونشأتها استراتيجيات حربية على الأرض والشعب والدول العربية، وفي مقدمتها إستراتيجية «الحرب أولا ودائما»، كما جاء في تقرير صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» العدد 42 من سلسلة «أوراق إسرائيلية»، بعنوان «الحرب أولاً ودائمًا».
وشارك في إعداده عشرات الضباط والخبراء العسكريين الذين عقدوا اللقاءات التقييمية الاستخلاصية بعد هزيمة جيشهم في لبنان، وأجمعوا على استراتيجية الحرب فقط مع العرب باعتبارها دائما المخرج لهم، وتشمل هذه الورقة تفصيلات الخطة الخماسية للجيش الإسرائيلي، المسماة «خطة تيفن 2012».
تتلبس الدولة الصهيونية والمجتمع الصهيوني، ما يمكن ان نطلق عليه «جنون الحروب والقتل»، ولكنه على خلاف أي جنون قد يخطر بالبال، فانه جنون مدجج بالفكر والايدولوجيا والأدبيات العنصرية الإرهابية.
فها هو افيغدور بيغن حفيد مناحيم بيغن، يعلن فقط يوم الجمعة الماضي في مقابلة أجرتها معه صحيفة «يديعوت احرونوت: »تتدفق في عروقنا جميعا دماء قتلة». وفي التمهيد لسيناريوهات الحروب المنتظرة في عهده، كان نتانياهو أعلن أمام مؤتمر سابان قبل أسابيع أنه »لن يحل السلام قبل مواجهة ثلاثة تهديدات لإسرائيل هي: سعي إيران للحصول على سلاح نووي، وصواريخ حزب الله في لبنان وحماس في غزة التي تهدد إسرائيل، والثالث تحصين الأمن الإسرائيلي». ومنذ ذلك الوقت والمشهد في تصعيد مذهل، على مختلف الجبهات العسكرية والاستيطانية التهويدية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية السيكولوجية.
وفي اقرب تطور سياسي إسرائيلي داخلي على علاقة مباشرة بالبعد الحربي، ذكرت الإذاعة العبرية الرسمية (11/2/2010) أن نتانياهو اجتمع مع رئيسة المعارضة ورئيسة حزب كاديما تسيبي ليفني، وبينما زعمت الإذاعة ان هذا الاجتماع يأتي في إطار الاجتماعات الروتينية التي يعقدها رئيس الوزراء بموجب القانون مع رئيسة المعارضة لاطلاعها على تطورات الأوضاع، سربت مصادر إسرائيلية ان «الاجتماع يأتي في ظل تطورات تعتبرها إسرائيل خطيرة في المنطقة»، فيما أشارت مصادر أخرى إلى «ان مثل تلك الاجتماعات تحدث حين اتخاذ قرارات مصيرية تحتم اطلاع المعارضة عليها». فالقصة إذن، ليست لقاء روتينيا وإنما على تماس مباشر مع الأوضاع والتصعيدات الحربية في المنطقة.
وبالتأكيد نحن أمام تطورات وقرارات حاسمة، فالتمادي الإجرامي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب، يتجاوز كل الحدود والخطوط الحمراء، وهم في إسرائيل يجمعون على مواصلة اختطاف الوطن العربي في فلسطين من البحر إلى النهر، ويهددون بالويل والثبور من تجرأ من العرب على مواصلة التصدي، كما تجلى ذلك في تهديدات ليبرمان بتدمير سوريا واسقاط عائلة نظامها!
الكاتب والمحلل الإسرائيلي الوف بن، عقب على تصريحات نتانياهو في هآرتس تحت عنوان «صدقوه..»، قائلا: «في الإستراتيجية يبدو أن نتانياهو يستعد لمحاربة إيران وحزب الله في الربيع القريب، مع ذوبان الثلوج وتفرق الغيوم، وتشهد بذلك الزيادة على ميزانية الأمن وإعداد الجبهة الداخلية للمواجهة، حتى إذا لم يهاجم نتانياهو آخر الأمر فان عليه أن يكون مستعدا». إلى ذلك فان متابعة حثيثة للخريطة السياسية الإسرائيلية، تشير إلى أنهم في إسرائيل، من ساسة وجنرالات وباحثين وخبراء، يجمعون على خيار الحرب، بل أنهم يتبنون استراتيجية الحرب المفتوحة.
وفي صميم هذا الاستخلاص، كتب المحلل العسكري الكبير لديهم ايتان هابر (مدير مكتب رابين سابقا) في يديعوت تحت عنوان «حرب واحدة طويلة» يثبت أن «التجربة الإسرائيلية تدل على أن إسرائيل في حالة حرب واحدة طويلة منذ 1948 (وهناك من يبدأ العد قبل ذلك ايضا)، وفقط اسماؤها تتغير».
وتحت عنوان «سلاح يوم الدين»، كتب جدعون ليفي في هآرتس يقول: «مرة كل بضعة أسابيع ينبغي إلقاء الرعب في القلوب، مرة كل بضعة أشهر ينبغي نثر التهديدات، ومرة كل سنة أو سنتين ينبغي الخروج إلى حرب صغيرة أخرى، تعاون اعمى وبشع بين جهاز الأمن ووسائل الإعلام يضمن جولة أخرى»، ويضيف: «يقولون ان الحرب لابد ستأتي، ربما في الشهر القادم». ويستخلص ليفي: «في القيادة الأمنية لا يسألون إذا كانت ستقع مواجهة عسكرية أخرى مع حماس، بل متى؟».
وتحت عنوان «التاريخ والخدعة»، كتب يونتان يفين في يديعوت: «إذن ماذا سيكون؟ أسيكون السلام؟ أستكون حرب أخرى؟ بالتأكيد ستكون حرب أخرى، دوما توجد حروب، السؤال هو مع من ستكون الحرب أولا، مع إيران أم مع سوريا، وربما اذا بقي ليبرمان وزير خارجية لما يكفي من الوقت، فستكون على أي حال حربا مع مصر».
وحروبهم الطويلة والمفتوحة ليست عفوية، إذ تقف وراءها ثقافة وسيكولوجيا عنصرية عدوانية، فالكاتبة الإسرائيلية أوريت دغاني، قرأت سيكولوجيا الإسرائيليين وكثفت الخلاصة في «معاريف» قائلة: «إن الإسرائيليين يندفعون للحرب لأنهم يكرهون السلام، ويعتبرون أن القوة هي الخيار الوحيد لتحقيق الأهداف، ليس فقط هذا، بل إن الحروب تجري في عروقنا مجرى الدم».
ولذلك نقول في الخلاصة المكثفة، وفي سياق قراءتنا الإستراتيجية للعقلية الحربية الإسرائيلية، ان الأوضاع الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل غير مريحة، وبالتالي فهي لم تتوقف عن استعداداتها لحرب أخرى قريبة تغير هذه الأوضاع من وجهة نظرها، وحسب الرسم البياني الإسرائيلي فإن وقت وتوقيت هذه الحرب قريب، فهناك في فلسطين جبهة مشتعلة ومرشحة لمزيد من التصعيد، نظرا لمخططات الاحتلال الابادية للحقوق الفلسطينية المتآكلة.
وهناك في لبنان هزيمة حارقة تكبدها «الجيش الذي لا يقهر» على يد حزب الله، وتمزقت صورته الردعية بصورة مذهلة.. وهناك في سوريا تعاظم عسكري استراتيجي مقلق لتلك الدولة.. وهناك في الأفق المقروء حرب إقليمية تتزايد احتمالاتها، على نحو خاص في ضوء تطورات الملف النووي الإيراني.
كاتب فلسطيني