هل نحن أمام مشهد مستعاد من التاريخ القريب؟ كان ذاك هو العام 1989 الذي شهد تصعيداً متدرجاً نحو الكارثة التي قادت إلى احتلال العراق للكويت في أغسطس 1990. كان ذلك هو العام الذي فرض فيه الغرب ملفاً جديداً على جدول أعمال العالم، اسماه «ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية». أما العام 2009، فلقد كان بامتياز هو عام «الملف النووي الإيراني».

لقد تصاعدت الضغوط على العراق تباعاً، منذ إعلان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ابريل 1989 عن امتلاك العراق للكيماوي المزدوج، وهدد بحرق نصف إسرائيل إن هي تجرأت على الهجوم على العراق. وكان العراق في سنوات الحرب مع إيران، قد قطع شوطاً في إنتاج الصواريخ ذات المدى البعيد، المطورة من نسخ صواريخ «سكود» الروسية.

الأمر نفسه مع إيران، فإسرائيل حاضرة دوماً في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، والصواريخ المطورة عن النسخ الروسية والكورية الشمالية، تتوالى مع كل اختبار جديد تعلن عنه طهران.

وها قد دخلنا العام 2010 بتصعيد في الوضع، مع الإعلان عن نصب المنظومات الصاروخية في أربع دول خليجية تحسباً لأي هجوم إيراني، تماماً مثلما كان الغرب يصعد ضغوطه على العراق، وصولاً إلى قيام الأخير باجتياح الكويت واحتلالها في أغسطس 1990.

وها هو الرد لا يتأخر: إعلان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الخميس 11 فبراير، عن تطوير تخصيب اليورانيوم إلى 20%، مشدداً على الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، واستخدام اليورانيوم المخصب إلى هذه النسبة للأغراض الطبية.

لا يتعلق الأمر بدورة السنوات المنتهية بالرقم 9، ولا بالعشرية المتكررة في حالتي العراق وإيران (1990-2010)، فالمدلولات والقواسم المشتركة تكمن في مكان آخر.

ففي كلا الحالين، يجري الحديث عن أنظمة تشكل مصدر خوف أو تهديد لجيرانها، تملك سمات مشتركة: الاستبداد وقمع المعارضين وعلاقات متوترة مع الجيران. ثمة قاسم مشترك آخر، هو أن الشكوك ظلت تحيط ببرامج التسلح التي بنى الغرب ضغوطه على أساسها.

فعلى الرغم من الحملات المكثفة التي تعرض لها البرنامج النووي العراقي، لم يكن هناك حكم قاطع وأكيد ان العراق كان على أعتاب امتلاك سلاح نووي. وإذا ما أضيفت إلى ذلك العقوبات التي فرضت على هذا البرنامج أولاً، وتالياً على الواردات بأسرها، فان بلداً كان يخضع لاستيراد الغذاء بموجب نظام فريد من نوعه هو «النفط مقابل الغذاء»، ما كان له بأي منطق أن يكون قادراً على صنع سلاح نووي. لقد أظهر الاحتلال الأميركي للعراق بجلاء زيف كل الادعاءات في هذا الصدد، والتي وضعت أمام العالم لتبرير الغزو.

أما بالنسبة لإيران، ورغم كل هذا الضجيج، سواء من قبل الغرب أو الإيرانيين أنفسهم، فان الشكوك لا تزال مطروحة بقوة حول قدرة إيران على صنع سلاح نووي. وفي كلتا الحالتين، العراقية والإيرانية، طغت الأهداف السياسية وتحول الجدل إلى معركة بقاء، لسبب بسيط: هو أن الشروط الغربية كانت أقرب للإملاء والإذعان، قبل عشرين عاماً مع العراق، والآن مع إيران.

وفي المشهد الأول والثاني المستعاد، ثمة عماء ونفاق أخلاقي واضح يمارسه الغرب، عندما يغض الطرف تماماً عن مخاوف الدول العربية ودول المنطقة عموماً من القدرات النووية الإسرائيلية. انه النفاق الأخلاقي الذي يمثل مصدر التأزيم التاريخي في هذه المنطقة وحروبها المتجددة والمستمرة، ومحرك الأزمات كلها، بما فيها الإرهاب الذي صنعوه بهذا العمى والنفاق الأخلاقي.

ليس هناك من عاقل يمكن أن يؤيد صنع أسلحة سيبقى طيلة العمر يتضرع إلى الله من أجل ألا يستخدمها، وليس من عاقل يمكن أن يرى أي جدوى في إنفاق الملايين لصنع هذه الأسلحة أو اقتنائها، بدلاً من إنفاقها على تحسين مستوى الحياة ورفاهية الشعوب. لكن ما من عاقل أيضاً يمكن أن يرى هذا النفاق الأخلاقي المعيب الذي يمارسه الغرب منذ عقود طويلة، دون أن يتساءل ما إذا كان استثناء إسرائيل ووضعها فوق الشرعية الدولية وتحصينها من المساءلة، هو السبب الذي يدفع شعوباً وحكومات بأكملها إلى اليأس والجنون وما ينتج عنهما.

لكننا اليوم، نتضرع إلى الله ألا يتكرر مشهد العشرية ويدفع هؤلاء المنطقة إلى أتون حرب جديدة لتكتمل المفارقة: المنطقة الحيوية لاقتصاد العالم، التي توصف دولها بالثراء، تشهد على مدى عقود حرباً كل عشر سنوات، وتدفع فواتيرها الباهظة من تقدمها ومن معيشة شعوبها، إما بسبب نفاق أخلاقي صميم لدى الغربيين، أو جنون لدى هذا النظام أو ذاك.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh