الحب.. فردوسه ومأزقه

الحب.. فردوسه ومأزقه

مع حلول الرابع عشر من فبراير، يحلو الكلام على الحب في عيده. وقد يعاود الواحد الكتابة في هذا الشأن الذي ليس شيئاً عادياً أو مألوفاً، وإنما هو في حياة المرء أمر استثنائي وخارق. إنه بمثابة حال قصوى من أحوال الوضع البشري، كالحرب والخوف والموت والولادة... ولأنه كذلك، فهو يشكّل حدثاً بكل معاني الكلمة، إذ معه تنفتح آفاق وأبواب كانت مسدودة أو موصدة، بقدر ما تتفتّق إمكانات أو تنفجر طاقات تفاجئ أصحابها والناس، لكي تجعل المستحيل ممكناً، وبما يشبه المعجزة.

وهكذا فمن يقع في التجربة يهتز كيانه ويتغيّر مجرى حياته، فينتقل من حال إلى حال أو من طور إلى طور، بحيث يصبح بإمكانه الإتيان بما لم يكن يستطيعه أو الإقدام على ما كان يُفزعه. كأن يضحي بحياته من أجل محبوبه، كما فعل ذلك المناضل التشيلي أيام حكم الطاغية «بينوشيه». فقد آثر الموت لكي ينقذ رفيقته التي اكتشفت بعد موته حبه لها، أي أنه قضى من أجلها، ولذا بقيت هي طوال حياتها أسيرة ذلك الحدث، تغتنم كل مناسبة لتمجيد ذكراه وفاءً له.

وقد يتجلى الخرق بالقول المبتكر، كما تشهد النماذج الرائعة لدى مشاهير العشاق الذين نطقوا بأجمل الكلام وأتوا بألطف المعاني، كما فعل قيس ليلى أو جميل بثينة.

هذا ما يجعل المحب يرى الأشياء بعين جديدة أو يتحدث عنها بلغة مختلفة، فيرى ما لم يكن يراه، أو يفكر بما لم يكن يخطر على بال، أو يفعل ما كان يعجز عن فعله. ومن تعتريه هذه الحالة الفردوسية، التي هي أشبه باختلاسة فردوسية عجيبة، يشعر بحبور لا يوصف. ولذا يحسب بعض العاشقين أعمارهم بساعات حبهم ولحظات عشقهم.

من هنا يشكّل الحب نوعاً من ولادة ثانية، رمزية، يمارس معها المحب حيويته الوجودية بكل أبعادها العاطفية والمعرفية والسلطوية، لأن من يهوى ويعشق يحيا حياته بكل قواها ومداركها، بآلات الحس وسيناريوهات الخيال، برهافة الذوق وحيل العقل، ببهجة المعرفة وسلطة الغواية، بسحر الكلام وفيض الإلهام. ومن هنا يصبح الشعار الديكارتي هو لسان حال العاشق: أنا أُحِب (أو أُحَب) إذن أنا موجود.

ومن مفاعيل الحب، التحويلية، أنه يمحو العيوب ويحيلها إلى حسنات، فلا يعود المحب يرى في محبوبه إلا ما هو جميل أو كامل أو رائع، وفي الحالة القصوى، حالة الهيام والذوبان، لا يعود الواحد يرى العالم إلا من خلال من يحب، بل لا يعود يرى في العالم سوى محبوبه، كما عبر عن ذلك أهل التصوف، وذلك هو الذهول والجنون.

والحب يتغذى ويتأجج، شوقاً ووجداً، بالمنع والحجب. وعندما يكون من طرف واحد، يزداد التعلق ويشتد الشوق على قدر الصد والممانعة أو الرفض من جانب المحبوب. وأياً يكن، لا تعلق من دون سحر جاذب أو سرّ غمض أو لغز محيّر. من هنا فما يُعشق يتعدى المرئي والظاهر، لأنه يتعلق بالرغبة بتهويماتها وأطيافها، بشيفراتها ومفاتيحها.

والحب كحدث خارق لا يخضع للحساب والمنطق، فمن يحسب ويتعقّل لا يحب، ولذا فهو مفاجئ وغير متوقع أو غير منتظر. وهذا ما يحدث عندما يستغرب الناس أن يحب فلاناً فلانة أو بالعكس. ولا غرابة، فهم ينظرون بعين العقل. والمحب يرى ما لا يراه الناس في من يهوى ويحب، لأنه يرى بعين الخيال. وما يراه أو يتخيله يتحدى المرئي والمعقول، بمعنى أنه يستعصي على القبض ويقع في منطقة المجهول أو اللامعقول.

حتى عندما يذكر المحب المزايا الجسدية أو الخلقية التي جعلته ينجذب إلى محبوبه، فإنها ليست المعوّل عليه في فهم الحب، أو على الأقل لا تعود هي تكفي لتفسير سبب التعلق، لأن من يحب لا يحسب ولا يتعقّل، ولا يتعلق بمحبوبه من أجل هذه الصفة أو تلك، بل يتعلق به فقط لأنه موجود. ولهذا فمن يحب يجهل أسباب حبه ومصدر هيامه: من أي هوام ينبع أو جرح أو طيف؟ بقدر ما يجهل شيفرة رغبته، من أي صدمة تأتي أو صفعة أو نشوة؟

بالطبع، نحن نستخدم أدوات التحليل المنطقي والتعليل العقلاني في فهم تجارب الحب، للوقوف على الأسباب التي أدت إلى انفجاره أو انحباسه. ولكن التعليل يأتي بصورة لاحقة، بعدية، على الحدث الذي ينفجر لكي يفجر الطاقات والإمكانات. ولذا ما نرويه عنه هو مجرد تفسير بين تفاسير أخرى.

وهذا أيضاً شأن الحرب كحدث جماعي، لا يستنفد الكلام على أسبابها ونتائجها، إذ كل مؤرخ أو محلل يرى ما لا يراه سواه من العوامل والأسباب والتداعيات. ولعل هذا أيضاً شأن الانفجار الكوني العظيم. إنه يبقى لغزاً أمام السؤال المحيّر: لماذا كان وجود ولم يكن عدم؟ فلا أجوبة حاسمة أو نهائية.

ولأن الحب يحيل إلى عالم الألغاز والأسرار بهواماته وشيفراته وسيناريوهاته، فإن اعتقاد المحب بأن سعادته القصوى هي في القبض على المحبوب وامتلاكه، هو مجرد وهم أو سراب. من هنا فالحب هو كأي شيء آخر، له التباساته ومفارقاته. إنه سيف ذو حدين؛ فهو أكثر الرغبات تقلباً والعلاقات هشاشة، بقدر ما هو أقوى المشاعر وأكثرها تطرفاً.

وهو كحالة قصوى قد يرتد على صاحبه وينقلب ضده. ذلك أن مطلوب المحب أن يتفرغ له محبوبه بالكلية، وهذه حالة يستحيل أن تدوم. هذا ما يحدث مع المعاشرة الدائمة والحياة اليومية، حيث تهتك الأستار وتتآكل التجربة. وعندها يصحو العاشق من سباته، فيتحول ما هو حدث استثنائي إلى أمر عادي.

وفي الحالة المعاكسة قد ينقلب الحب إلى كره، والفردوس إلى جحيم، وما نضحي من أجله قد نقتله، كما فعل الفنان الفرنسي برتراند كانتا، الذي أقدم على قتل عشيقته ماري ترنتيان، التي هي فنانة أيضاً (صيف عام 2003).. وتلك هي المفارقة. فمقتل الحب هو فردوسه بالذات.

من هنا لا يأتلف الحب مع الأحوال العادية للزواج والمساكنة الدائمة، كما لا يأتلف مع الديمقراطية والمداولة، لأن ذلك يحوله إلى منازعة ومشاحنة، أو إلى حرب باردة تنتظر ساعة الانفجار. وهكذا فالزواج الذي يعامل كحب، وبالعكس، مآله مقتل الاثنين.

والعاشقان اللذان يريدان علاقة دائمة، لا ينجحان، ما لم يعملا على صرف رغباتهما للتحول نحو بناء عالم آخر، لا يقوم على التماهي والتملك، بل تصنعه المودّة والفرادة والميزة والجدّة، أي ما يتيح للواحد أن يحتفظ بسرّه وجاذبيته تجاه صاحبه، أو أن يجدّد العلاقة بشريكه، فدوام التعلق من دوام التجدّد.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb

طباعة Email
تعليقات

تعليقات