للخلل في معاجم لغتنا العربية معانٍ كثيرة، منها الفساد والوهن، ومع أن هذه المعاجم لم تحدد ما إذا كان الخلل أصيلا أم طارئا، إلا أنه في ثقافتنا الشرقية غالبا ما يكون من النوع الثاني، فنحن لا نعترف بأن ثمة خللا متأصلا في حياتنا إطلاقا، لذلك تعودنا أن نسمع من أجهزة إعلامنا المسموعة والمرئية عبارة «نأسف لهذا الخلل الطارئ»، كلما انقطع الصوت أو غابت الصورة مدة تطول وتقصر حسب نوع الخلل وحجمه.
وفي ثقافتنا الشرقية أيضا تعودنا أن لا نبحث عن أصل الخلل، وإنما عن معالجته، وغالبا ما يكون العلاج الذي نبحث عنه مؤقتا وليس جذريا ودائما، لذلك سرعان ما يعود الخلل مرة أخرى.
وعلى هذا المنوال تمضي الأمور في كافة شؤون حياتنا، فنشاهد الكثير من مواقع الخلل التي لا تقطع الصوت والصورة عنا فقط، وإنما تؤدي إلى شلل كامل في مناحي الحياة التي لا تحتمل الخلل والأعطال الطارئة، لأنها الشرايين التي تمدنا بالدماء وتضمن لنا استمرار وتيرة الحياة المنتظمة.
وإذا كان مقبولا أن يكون هناك انقطاع في الصوت أو الصورة، لخلل طارئ يقطع علينا متعة الاستماع أو المشاهدة، فليس من المقبول إطلاقا أن يكون هناك انقطاع في شرايين حياتنا بسبب خلل من أي نوع، لأن الاعتذار هنا غير مجد، خاصة إذا ما كان الخلل متأصلا ومقصودا وصادرا عن سوء نية وتخطيط مسبق تبدو ملامحه واضحة، تبصرها العيون التي ترى، وتدركها العقول التي تعي.
كلنا ندعي حب الوطن والحرص على مصالحه والعمل لمصلحة أبنائه، ولكن كم واحدا منا يترجم هذا الحب إلى موقف ملموس وفعل محسوس، يضع مصلحة الوطن فوق مصالحه الخاصة، ويضع خدمة أبناء الوطن فوق خدمة أهدافه الشخصية، ويضع مستقبل الأجيال القادمة فوق طموحات الحاضر المحدودة، ويتقي مواقع الزلل حتى إذا ما وقع الخلل لم يظهر إلينا ليردد العبارة المعهودة «نأسف لهذا الخلل»؟
ثقافة الاعتذار واحدة من الثقافات الضرورية التي ندعو جميعا إليها، لكن هذه الثقافة إذا لم تقترن بتحمل تبعات الخلل والمحاسبة عليه، فإنها تصبح نافذة للهروب من المسؤولية، ومن ثم العودة إلى ارتكاب أخطاء أكبر ومعاودة الاعتذار عنها، على غرار ما تفعله الإذاعات والتلفزيونات التي اعتدنا منها سماع مثل هذه العبارات، مع الفارق بين الأعطال الهندسية الطارئة والأعطال البشرية المتأصلة.
لذلك تصبح عبارة «نأسف لهذا الخلل» مرفوضة، عندما نسمعها من مسؤول يرى أسباب هذا الخلل واضحة أمام عينيه ولا يحرك ساكنا أو يتخذ خطوة لمعالجتها، وتصبح هذه العبارة دليل اتهام ضده، لأنها تعني إما سوء النية المتوافرة أركانه، أو سوء الإدارة الواضحة ملامحه، وكلاهما أسوأ من الآخر، لأن سوء النية دليل على الفساد الواضح وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وسوء الإدارة دليل على الجهل وعدم الكفاءة.
والمواقع القيادية في أي بلد لا تحتمل هذين النوعين من القيادات، لأنهما يهدران خيرات البلد ويضيعان مكتسباته، ويحجبان الفرصة عن القيادات المخلصة ذات الكفاءة العالية والأيادي النظيفة والأثواب الطاهرة، تلك التي تعرف أن للوطن مصلحة يجب أن تتقدم على كل المصالح، وأن للوظيفة العامة شروطا وقواعد يجب أن تكون هي المعيار عند اتخاذ أي قرار.
«ما عدا السهو والخطأ» بهذه العبارة تذيل كثر من المحلات فواتيرها، وهو نفس ما تفعله بعض البنوك لتستدرك ما قد يقع فيه بعض موظفيها من أخطاء، كي تحميهم وتحمي أنفسها من المساءلة القانونية إذا ما حدث خطأ ووجدت نفسها في موقف محرج أمام الزبون المطالب بحقه، ولكن ماذا تفعل الأوطان تجاه أولئك الذين يسهون عن القيام بواجباتهم تجاه وظائفهم عن عمد وسوء نية؟
أو يخطئون في أداء ما هو مطلوب منهم عن سابق إصرار وترصد؟ تُرى هل تشفع لهم عبارة مثل هذه وتعفيهم من تحمل تبعات هذه الأخطاء التي تضر بمصلحة الوطن ومقدراته ومستقبل أجياله؟
«نأسف لهذا الخلل» عبارة قد نقبلها من مذيع يطل علينا عبر الشاشة أو يخاطبنا من خلال المايكروفون، معتذرا عن خلل ربما كان طارئا فعلا، سوف يحرمنا من متابعة برنامج نحبه أو يقطع علينا متابعة حوار نستمع إليه باندماج وشغف كاملين، لكننا لا نتقبلها من مسؤول وضعنا فيه كامل ثقتنا وبنينا عليه آمالا كبارا، فإذا بتلك الثقة تنهار، وإذا بتلك الآمال تتردى إلى هاوية ليس لها قرار.
الاعتذار في ثقافات الشعوب فعل مقترن بالعمل إذا ما صدر عن مسؤول قصر في أداء عمله، وهو فعل لا يقدر عليه إلا الشجعان الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأخطائهم وتحمل مسؤولية أفعالهم، لكنه في ثقافتنا شيء مختلف، يعتقد المتربعون على كراسي الوظائف العليا أنه لا يليق بهم، لمجرد أنهم ما زالوا على تلك الكراسي يمسكون بزمام الأمور، لذلك فهو غير متوقع منهم، ونعتقد أنه غير مطلوب أيضا طالما أنه لن يتجاوز الكلام إلى الفعل.
«نأسف لهذا الخلل»، فقد حاولنا أن نرتقي إلى درجة من المثالية كنا وما زلنا نحلم بها، ولكن يبدو أن «خللا غير طارئ» قد قطع الصوت والصورة وكل أشكال التواصل بيننا، لذلك علينا الانتظار حتى عودة الإرسال، لإكمال ما تبقى من المسلسل المثير الذي نتابع حلقاته بشغف، نرجو أن لا تفسده علينا كثرة الأعطال الطارئة وغير الطارئة.