برامج تلفزيونية كثيرة على مستوى العالم تعطي قضية الاعتداء على الأطفال أهمية قصوى، وتتوقف مطولاً عند مشاهد انسلاخ البعض من الآدمية والتعرض بقسوة لسلامة وحياة أناس لا يملكون حماية أنفسهم أو حتى الدفاع عنها، حين يكونون في مواجهة غير عادلة تكون دائماً فيها الغلبة للطرف الأقوى، وينتهي بهم المطاف إما بالهلاك أو الوقوع تحت وطأة قسوة ما تعرض له وذكريات مؤلمة لا تمحى، حتى وإن نال المعتدي جزاءه العادل.
لكن تبقى القضية ليست قضية اعتداءات وأحياناً قتل، ومن ثم تقديم الجاني للمحاكمة بقدر ما هي حالة تستدعي اهتماماً أكبر من أطراف أخرى، غير الجهات الأمنية التي يأتي دورها بعد وقوع الواقعة وحدوث المأساة، ثم يبدأ الإعلام بالتحرك قليلاً، لتنتهي القضية بالمحاكمة ومعها ينتهي كل شيء حتى تقع جريمة أخرى مماثلة ليبدأ الاهتمام من جديد وهكذا، وهذا ـ بالمناسبة ـ حالنا مع كل ما نتعرض له، وهنا أيضاً مربط الفرس، وعنده نتساءل لم لا نحتاط منذ البداية؟ ولم لا يكون تعلم الدرس قبل تكرار الخطأ، خاصة عندما يكون الخطأ بحجم جريمة نكراء؟!
تحدثنا مراراً عن أهمية الثقافة السلوكية للصغار، وأهمية أن تتضمن مناهجنا هذا الجانب من حياتهم، فيسير محتوى المناهج في اتجاه ما تعلمه الأسر لأبنائها حماية لهم، ومع الثقافة السلوكية التي لم يعد لنا بد من أن تعتني بها الأسر بالدرجة الأولى، فتعلم صغارها سلوكيات التعامل مع الغرباء، بمن فيهم الخدم في المنازل وعدم رفع الحاجز بينهم.
وكذلك التعامل الصحيح مع من يواجهونهم خارج أسوار البيت، فكل الأماكن لم تعد آمنة، والتحرش يتعرض له الصغار في البيوت، المدارس، الأندية، مراكز التسوق وغيرها.. جميعها أصبح حالها حال الشارع ـ مع الأسف الشديد ـ خاصة مع الإهمال الذي أصبح سمة البعض الذي لا يفرق فيه بين الغث والسمين.
ولعل من الأهمية المطالبة هنا بتدريب الأطفال على كيفية حماية أنفسهم، أو على الأقل الدفاع عنها حال تعرضهم لسوء، وتثقيفهم بالأخطار المحدقة حولهم، على أن تتولى مسؤولية هذا الأمر مؤسسات أهلية كالأندية وغيرها، وهو أمر في غاية الأهمية للصغار في الحل والترحال، كفيل بأن يجنبهم مخاطر كثيرة ويبعد عنهم شر من يتربص بهم، ولا علاقة له بمستوى الأمن الذي تنعم به بلادنا، والذي نعتز به جميعاً، لكن لا بد مع ما طرأ على المجتمع من تغييرات ومع وجود عشرات الجنسيات فيه، أن تتغير أساليب التعلم والتثقيف وأن يتعلم الآباء ما لم يكونوا في حاجة لتعلمه في الماضي.
