هناك الكثير من الأمور المشتركة التي تجمع إسرائيل بدول حلف الناتو، إلا أننا نجد إسرائيل إلى يومنا هذا غير متحمسة لفكرة الانضمام إلى الحلف. وذلك يدعوننا للتساؤل عن مغزى الابتعاد الإسرائيلي عن الانضمام لعضوية الحلف، رغم أن ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل كان من أكثر الداعمين لهذه الفكرة في فترة رئاسته للحكومة الإسرائيلية، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يعزز من أمن إسرائيل في مواجهة الدول العربية.
المعروف بشكل عام أن إسرائيل لا تنظر بإيجاب للمنظمات الدولية، وذلك لأنها تعلم بأن كفة التوازن في مثل تلك المنظمات عادة ما تكون لصالح الأكثرية من الدول العربية والإسلامية.
ولكن عند الحديث عن الناتو فإن هذا التوازن يتلاشى، حيث إن الكفة تكون لصالح إسرائيل باعتبار أن الدول الأعضاء المكونة للحلف هي دول غير عربية، وأن معظمها باستثناء تركيا هي دول مسيحية وليست إسلامية.
وجميعها حليفة للولايات المتحدة وتؤيد إسرائيل؛ ومع ذلك لا نسمع أو نقرأ عن رغبة إسرائيلية في الانضمام إلى الحلف، مع أننا سمعنا مؤخراً دعوة من رئيس الوزراء الإيطالي لضم إسرائيل للاتحاد الأوروبي.
ورغم أن انضمام إسرائيل للاتحاد الأوروبي أمر صعب للغاية لكونها ليست دولة أوروبية من جهة، وإن انضمامها سيفتح الباب أمام دول أخرى كي تطالب بالانضمام للاتحاد من جهة أخرى، إلا أن إسرائيل غير متحمسة للانضمام للحلف رغم أن حظوظها في الانضمام أفضل بكثير من حظوظها في الانضمام للاتحاد الأوروبي، فما سبب غياب الحماس الإسرائيلي نحو الانضمام للناتو؟
هناك اعتباران مهمان كانا ومازالا لهما بالغ الأثر في ابتعاد إسرائيل عن عضوية الحلف، أحد هذين الاعتبارين مرتبط بالناتو ذاته والدول الأعضاء فيه، وأحداهما الآخر مرتبط بإسرائيل. الاعتبار الأول أن الناتو وبعض دوله لا تحبذ انضمام إسرائيل للحلف بسبب مجموعة من الآراء المختلفة التي لا ترى مصلحة في دخولها في عضوية الحلف.
واشنطن على سبيل المثال لم تكن متحمسة منذ البداية لفكرة انضمام إسرائيل للحلف رغم تحمس بن غوريون للانضمام، وذلك خشية أن هذا سيرسل برسالة غير إيجابية للدول العربية مفادها بأن الولايات المتحدة والغرب يدعمون إسرائيل، وبالتالي لا يصبح أمام الدول العربية سوى الميل نحو الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي يُفقد الولايات المتحدة الكثير من أوراق المناورة في سبيل احتواء الاتحاد السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط في فترة زمنية تعتبر حاسمة في فترة ما يسمى بالحرب الباردة.
التخوف من مثل هذا الأمر جعل الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس إيزنهاور تتخذ بعض المواقف المعارضة لإسرائيل بالإضافة لرفضها انضمامها للناتو، كانتقادها الشديد لإسرائيل نتيجة استيلائها على سيناء المصرية في 1956 ومطالبتها بإعادتها فوراً، وكرفضها منح إسرائيل السلاح رغم حصول المصريين على سلاح نتيجة الصفقة التشيكية، وكتشهيرها بالبرنامج النووي الإسرائيلي منذ انطلاقته وهو ما استمر حتى عهد الرئيس جون كينيدي.
ولم تكن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي وقفت في وجه انضمام إسرائيل للحلف، بل نجد أن الكثير من الدول الأعضاء في الحلف أصبحت متخوفة من قبول إسرائيل عضواً في الحلف، وذلك خشية من أن عضويتها تزج بدول الحلف في صراع مع دول في منطقة الشرق الأوسط تعتبرها الدول الأوروبية دولاً حيوية ومهمة لها في العديد من المجالات.
فالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو تجعل الدول الأعضاء مسؤولة عن الدفاع عن أية دولة عضو تتعرض للهجوم من قبل دولة أخرى.
لذلك فإن دول الناتو التي تتمتع بعلاقات قوية مع الكثير من الدول المحورية في منطقة الشرق الأوسط تتخوف من أن مثل تلك العلاقات قد تتضرر نتيجة لدعم تلك الدول الأوروبية لإسرائيل باعتبارها عضوا في الحلف وملزمة بالتالي بالوقوف معها.
فليس من مصلحة الكثير من الدول الأوروبية المحورية معاداة سوريا أو إيران أو لبنان أو مصر لمجرد أن هناك دولة عضواً مثل إسرائيل قد تعرضت لمواجهة عسكرية من طرف ما في المنطقة، فإسرائيل قد تكون مصدر إزعاج وبؤرة توتر لمصالح دول حلف الناتو إذا ما انضمت إلى الحلف.
لذلك نجد أن الدول الأوروبية تفضل تطوير علاقاتها مع إسرائيل في إطار العلاقات الثنائية وليس الجماعية من خلال الناتو، لأن العلاقات الثنائية ليس بها ما يلزم الدول على دعم إسرائيل في مواجهة دول أخرى مهمة لمثل تلك الدول الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط.
أما عن الاعتبار الثاني فهو مرتبط بإسرائيل ذاتها التي نجدها ونظراً لعوامل خاصة بها غير محبذة الانضمام للحلف، حيث إن الانضمام قد يحد من فلسفة إسرائيل العسكرية القائمة على الاستمرار في المواجهة مع الدول المجاورة التي تعتبر مهددة لأمن إسرائيل.
فعضوية الحلف لن تجعل إسرائيل حرة في توجيه ضربات عسكرية للبنان بهدف ضرب حزب الله، ولا لضرب الفلسطينيين، ولا حتى ضرب المفاعلات النووية الإيرانية أو أية جهة قد تظهر مهددة لإسرائيل في المنطقة. إسرائيل تعتمد على فلسفة التحرك الفردي متى شاءت، ولا تود لأحد أن يُقيد مثل هذا التحرك، وبالتالي لا مصلحة لإسرائيل في الانضمام لحلف الناتو حيث تخشى القيود.
كما أن الخبرة السابقة بين إسرائيل وقوات حفظ السلام الدولية لم تعط صورة إيجابية لدى القادة الإسرائيليين حول فكرة وجود قوات أجنبية دولية في المنطقة، حيث إن إسرائيل تعتبر أن وجود قوات دولية كقوات حفظ السلام في جنوب لبنان كان قد وفر غطاء لحماية أفراد حزب الله؛ لذلك نجدها ترفض إرسال قوات حفظ سلام من أي طرف للضفة والقطاع خوفاً من أن يكون دورهم تعزيزاً لقوة الجماعات العسكرية الفلسطينية الموجودة على خط المواجهة معها.
بالإضافة لذلك فإن إسرائيل تعتبر أن علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة هي أهم بكثير من علاقتها بالناتو، حيث إن واشنطن توفر لها الغطاء العسكري والسياسي والاقتصادي التي تحتاجه إسرائيل بشكل يفوق كل أوروبا. فلا حاجة للناتو طالما أن الولايات المتحدة تقف خلف إسرائيل وتدعمها.
من ذلك فإن عدم انضمام إسرائيل للناتو هو مصلحة مشتركة لدول الناتو الكبرى ولإسرائيل؛ ولكن لا الناتو ولا إسرائيل على استعداد لقطع كامل العلاقة بينهما، بل إن من مصلحة الطرفين إيجاد صيغ تعاون بينهما، وهو ما شاهدناه من خلال مشاركة إسرائيل في الحوار المتوسطي منذ بدايته في عام 1994 وتوقيع الجانبين على اتفاقية أمنية في عام 2001 هي الأولى للناتو مع دول البحر الأبيض المتوسط من خارج الناتو.
جامعة الإمارات
