قبل أن تكتمل المأساة!

قبل أن تكتمل المأساة!

لا أعتقد أن تبني التلفزيون الرسمي الإسرائيلي للمزاعم حول الفساد في السلطة الفلسطينية وبين بعض العاملين في الرئاسة الفلسطينية هدفه هو المزيد من الضغط على أبومازن لاستئناف المفاوضات، فالضغوط الأميركية والإسرائيلية في هذا الشأن لا تحتاج لمزيد.

وما أذاعه التلفزيون الإسرائيلي كان منتشراً على أجهزة «الموبايل» بين الفلسطينيين منذ فترة في حملة منظمة، وتلويث سمعة القيادة الفلسطينية يعني أن التفاوض معها بلا قيمة، ومن هنا فإن الرسالة الإسرائيلية قد تكون أخطر، فهي تقول ـ بلا مواربة ـ إن العملية هي عمليتها، وأن أسرار السلطة في يدها، وأن جهاز الأمن الفلسطيني مخترق تماماً.

ثم ـ وهذا هو الأخطر ـ فإنها تتجاوز محاولة تشويه صورة السلطة الفلسطينية لدى الأطراف الخارجية التي مازالت تراهن عليها، لتقول إن الأمر بالنسبة لها قد انتهى، وأن الدور الذي يلعبه أبومازن قد انتهى عمره الافتراضي، وأن المرحلة القادمة تحتاج ـ من وجهة نظرها ـ إلى قيادة جديدة لابد أن تكون ـ من وجهة نظرها أيضاً ـ جاهزة وتحت الطلب!

وربما يكون هذا التوجه الإسرائيلي أحد أسباب تلويح الرئيسي الفلسطيني منذ شهور بعزمه على عدم الترشح مجدداً طلباً للضغط الأميركي والدولي لإجبار الحكومة الإسرائيلية اليمينية على التخلي عن مخططاتها لإشعال الموقف ونسف محاولات التوصل لتسوية الصراع التاريخي.

وربما يكون أيضاً وراء تمسك الرئيس الفلسطيني بعدم استئناف عملية التفاوض إلا بعد إيقاف الاستيطان رغم الضغوط الأميركية والنصائح الإسرائيلية بالنزول من على الشجرة، مدركاً أن مشهد النهاية فوق الشجرة سيكون الأفضل والأكثر احتراماً لما تبقى من حقوق وطنية، ومدركاً أيضاً أن النزول من على الشجرة لن يأتي بشيء، ولن يغير من توجهات إسرائيل.

وفي زيارته الأخيرة للقاهرة كانت الصورة التي قدمها للموقف بالغة القتامة، فالاحتمالات أمامه هي مواجهة عسكرية أو مقاومة مسلحة لا يراها ممكنة أو مجدية، أو استمرار في الحالة الراهنة التي تستفيد منها إسرائيل في فرض الأمر الواقع، أو الاستمرار في المفاوضات التي يعترف بأنها لم تصل لشيء خلال السنوات التسع الماضية، ويعرف أنها لن تصل لشيء في ظل حكومة نتانياهو وتراجع الموقف الأميركي.

ولا شك أن أبومازن يدرك تماماً أنه في وضع لا يحسد عليه في مواجهة هذه الطريق المسدودة.. فتلويحه بالتخلي عن موقعه لم يترك أثراً لدى الطرف الأميركي ليمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل التي لم تعد تكتفي بمطالبته بالنزول من على الشجرة، بل تقول له الآن إن التوجه الذي كان يؤمن به البعض من أجهزة الحكم في إسرائيل ان دوره انتهى قد تحول الآن من توجه إلى قرار تعيد به إسرائيل خلط الأوراق وترفع عنها أي ضغوط وتحصل على ما تشاء من وقت لاستكمال مخططاتها لتهويد القدس وتمزيق الضفة ومضاعفة الاستيطان.

وكل هذا إضافة إلى احتمال توجيه ضربة جديدة لغزة يفرض على الجميع مراجعة شاملة للموقف، فلم يعد ترديد نشيد «وداعاً للمقاومة» كل صباح من جانب أبومازن قادراً على تحقيق شيء.

فلم يوجد ولن يوجد في التاريخ احتلال رحل دون مقاومة، وعلى الجانب الآخر فإن الرضوخ للضغوط الأميركية لاستئناف المفاوضات (ولو بالواسطة) لن يقدم أو يؤخر، ولن يكون إلا استمراراً لسنوات من كسب إسرائيل للوقت لكي تفرض الأمر الواقع، ثم أي تفاوض سيكون بينما الآلة الإسرائيلية قد بدأت العمل لإنهاء التفاوض قبل أن يبدأ، فالشريك غارق في الفساد، والاتفاق معه لا يجدي، وعلينا انتظار البديل!

المراجعة الشاملة لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية أصبحت أمراً واجباً، واعتراف كل الأطراف بالأخطاء القاتلة التي تم ارتكابها أمر ضروري.. بدءاً من اتفاق أوسلو الذي ترك مصير الشعب الفلسطيني للتفاوض وأعطى إسرائيل ما تريد، وحتى خطيئة الانقسام الذي ألحق بالقضية من الأضرار ما لم يستطع العدو نفسه أن يفرضه.. مروراً بانهيار منظمة التحرير والصراع على سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيئاً.

المراجعة مطلوبة، والظروف ـ رغم قسوتها ـ لابد أن تجبر كل الأطراف على إدراك حجم الكارثة التي يذهبون إليها إذا لم تتم المصالحة الوطنية الآن ودون إبطاء ومهما كان حجم التنازلات التي يقدمها أي فريق. وقد تفاءلت بزيارة القيادي الفتحاوي نبيل شعث لغزة باعتبارها اقتحاماً مطلوباً بشدة لجدار الانقسام الذي أقيم بدماء الفلسطينيين التي كانت ذات يوم حراماً على البندقية الفلسطينية.

ثم فوجئت بأبومازن يستنكر زيارة شعث لهنية في منزله باعتبارها «تجاوزاً غير موافقين عليه»، وفوجئت بالأخوة في حماس يطلقون التصريحات المتضاربة حول الزيارة ونتائجها، فالطرفان الأساسيان مازالا مترددين في ركوب قطار المصالحة.

بينما إسرائيل ماضية في حربها لتصفية القضية، والشعب الفلسطيني لا يرى إلا بؤسه، والجديد الوحيد في المشهد خلايا لـ «القاعدة» يتم اكتشاف بعضها، وعملاء ل«الموساد» يتباهون بعمالتهم على شاشات التلفزيون الإسرائيلي، إنهاء البدائل الجاهزة حين يظل قطار المصالحة بلا ركاب، وحين يدفع الوطن ثمن العبث بمصيره مضاعفاً من احتلال لا يرحم وأبناء يتصارعون حتى الانتحار!

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات