أحدث إعلان الرئيس الأميركي أوباما عدم مشاركته شخصياً في القمة الأميركية الأوروبية التي ستعقد في مدريد في 24 مايو المقبل صدمة دبلوماسية في أوروبا، على الرغم من محاولات التخفيف من ذلك أوروبياً، كأن يشرح رئيس المفوضية الأوروبية بأن الرئيس الأميركي بحاجة لتخفيف برنامج سفراته إلى الخارج، أو كأن يقول الرئيس الفرنسي إن هنالك عدداً كبيراً من القمم وكثير من ضياع الوقت وإنه بالتالي يمكن عقد قمة الحلف الأطلسي المقررة في نوفمبر المقبل مع القمة الأوروبية الأميركية.
هذه القمة الدورية تأتي كتقليد للتشاور والتنسيق، يفترض أن يعبّر عن خصوصية وشمولية العلاقات الاستراتيجية الأميركية الأوروبية بين الركنين الغربيين الأساسيين في العالم.
القرار الأميركي طرح أسئلة عدة حول حصول برودة في العلاقات الأميركية الأوروبية، وأسباب تلك البرودة، وكذلك تراجع خصوصية هذه العلاقات، على الأقل من طرف واشنطن. والجدير بالذكر أن تراجع الاهتمام الأميركي بأوروبا أو اعتبارها وكأنها في «الجيب» صار سمة في السياسة الخارجية للرئيس الأميركي الجديد.
وللتذكير فقد غاب أوباما عن احتفالية العيد العشرين لسقوط حائط برلين، على الرغم مما تمثله تلك الاحتفالية من معان، ليذهب في جولة إلى آسيا، التي تمثل مركز الثقل الجديد في السياسة الدولية، وتحتل المكانة الأولية على صعيد المصالح الاستراتيجية الأميركية.
أوباما شارك في السابق في قمتين أميركية أوروبية: في براغ في إبريل 2009، حيث غاب عن العشاء الرسمي، وفي واشنطن في مطلع نوفمبر، حيث طلب من نائبه تمثيله في حفل الغداء.
جملة من الأسباب أحدثت هذا الخلل. والبعض يقول هذا التوتر الممسوك في العلاقة بين ضفتي الأطلسي. المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية اختصر في دراسة صدرت عنه في نوفمبر الماضي في نقاط خمس أسباب هذا الخلل، وهي: أن أوروبا تشعر بمزيد من التهميش، وأنها غير قادرة على إعادة التموضع كطرف فاعل في السياسة الدولية.
كما أن هنالك الكثير من الأوروبيين الذين يفضلون التركيز على علاقات ثنائية مميزة مع واشنطن على حساب علاقات الكل الأوروبي مع الولايات المتحدة. من الأسباب أيضاً أن الولايات المتحدة تبحث عن شركاء أقوياء في عالم أخذت تشعر بأنها فقدت السيطرة عليه، وأن هيمنتها في تراجع.
ترى واشنطن أن مجمل هذه القمم صار من النوع المراسمي، أو أنها تعكس مصلحة الرئاسة الأوروبية في حينه، وتود توظيفه في أجندة خاصة لها، وليست القمم إطاراً لبحث جدي في القضايا والمسائل التي تهم الطرفين.
ويزيد من أسباب «الابتعاد» الأميركي الضبابية فيما يتعلق بصنع القرار والمسؤول عن التنفيذ والمتابعة في أوروبا بعد دخول اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ، في حين أن واشنطن تركز على صياغة علاقات جديدة ومتجددة مع القوى الدولية الناشئة، ومع القوى الدولية الكبرى العائدة من جهة أخرى.
وتتجه نحو آسيا وإفريقيا على حساب المسرح الأوروبي. ما يدل أيضاً على زيادة الفجوة نظرة سريعة إلى بعض قضايا الشرق الأوسط؛ ففي أفغانستان تقوم أوروبا باللحاق بالموقف الأميركي، تقاوم مطالب واشنطن قدر الإمكان في توفير الجنود للحلف الأطلسي، ولا تشارك في صنع القرار الاستراتيجي هناك.
والشيء ذاته يتعلق بالملف العراقي. أما حول إيران، فعلى الرغم من التوافق بين القوى الأوروبية الرئيسية في دعمها لواشنطن، مع فروقات في درجات التشدد والليونة بين هذه القوى، لكن الكل يدرك في نهاية الأمر أن واشنطن وحدها تحدد كيفية وطبيعة إدارة الأزمة والسياقات التي يمكن أن تنتج عن التفاعل النزاعي مع إيران. وفي أزمة الشرق الأوسط، أو قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
يتراوح الدور الأوروبي بين دور الممول لما تحققه الولايات المتحدة كمهندس لدبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي من نتائج على الأرض في دعم عملية التسوية، وبين محاولة تقديم أفكار والقيام بحركة دبلوماسية في الوقت الضائع حين تكون واشنطن غائبة أو مبتعدة عن هذا الملف الصراعي.
ولا بد من التذكير بعد عقدين من الزمن من انتهاء الحرب الباردة أن نظام الثنائية القطبية كان الدافع الأساسي والمحفز الرئيسي للاندماج الاستراتيجي الغربي، والانتظام الأوروبي وراء الولايات المتحدة، لكن غياب العدو، كما هي الحال دائماً في هذه الأمور، أضعف الحلف وأفقده أهدافه الرئيسة، وهو يهدد بتفككه.
أوروبا ليست مشكلة للولايات المتحدة، ولا توفر لها الحلول للمشكلات الدولية القائمة، وحتى تعود هذه العلاقات عبر الأطلسية إلى خصوصيتها يبقى المطلوب أن تبلور أوروبا دورها كطرف فاعل ومؤثر في السياسة الدولية.
وليس فقط كطرف ملحق للسياسة الأميركية من أجل خلق بعض التوازن المطلوب في إطار هذه العلاقات. دون ذلك سيستقر التأزم حيناً وعدم التفاهم أحياناً في إطار إرث مازال قوياً من العلاقات الخاصة بين الطرفين كسمة أساسية في العلاقات الأميركية الأوروبية.
كاتب لبناني