قبل نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا عام 1897 نزح من طرابلس الشام رشيد رضا وفرح أنطون، إلى مدينة الاسكندرية، حيث اصدر الأول فيما بعد مجلة (المنار) وأسس الثاني مجلة (الجامعة) اللتين ستخوضان في جدل فكري، سيكون محوره عوامل النهضة وكيفية خروج الشرق من واقع التخلف والتردي الذي كان يضرب بأطنابه في المجتمعات العربية.
لحظة وصول الرجلين إلى بر مصر كان جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده قد تركا بصمتهما على الحياة الثقافية التي تنازعها تياران، فانخرط رشيد رضا في التيار الديني المستنير، فيما انهمك فرح أنطون في التيار العلماني.
كان السؤال المطروح على الجميع في ذلك الوقت ينصب على كيفية الإمساك بمظاهر التقدم العلمي والتقني والثقافي الذي وصل إليه الغرب، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الهوية العربية الإسلامية والتراث، أو ما يعرف بالأصالة والمعاصرة.
الإجابة عن هذا السؤال كانت في نظر محمد عبده الذي صار رشيد رضا احد تلاميذه النجباء، تمر عبر العودة إلى الإسلام النقي والتوجه بعد ذلك إلى الغرب من موقع الجامعة أو الدولة السياسية الدينية التي توحد شعوب الشرق العربية، مع الحرص في الوقت ذاته على التعايش بسلام مع الأقليات الدينية المسيحية واليهودية وغيرها، واحترام حقوقها.
هذه الرؤية قابلتها رؤية أخرى علمانية تقوم على مجموعة من المنورين كانوا في غالبيتهم من انتماءات دينية مسيحية وبينهم بطبيعة الحال فرح أنطون، وهؤلاء رأوا في الانتماء القومي المعيار الأول للوحدة السياسية، رافعين شعار (الدين لله والوطن للجميع)، ليكون المدخل لمجتمع مدني يتبنى ما وصل إليه الغرب من علم وتقدم.
على هذه الخلفية دخلت ( المنار) وصاحبها رشيد رضا في جدل فكري مع الجامعة ومؤسسها فرح أنطون، وكان الإمام محمد عبده طرفا في جانب كبير منها، وابن رشد احد محاورها، بعد أن اختار أنطون الفلسفة الرشدية واضطهاد صاحبها في الأندلس وسيلة إن جاز القول لطرح أفكاره العلمانية، والدخول في سلسلة حوارات مع الشيخ محمد عبده، كان هاجسها الرئيس هو كيفية النهوض العربي.
وتوجت بإصدار أنطون كتابه الأشهر (ابن رشد وفلسفته) الذي أهداه إلى (عقلاء الشرقيين في الإسلام والمسيحية)، منتصرا فيه لقيم العقل والاستنارة، مع التسليم بحق الآخر في الاختلاف، طالما كان السعي إلى الأفضل هو ما يقود الجميع.
حاول فرح أنطون وهو يتناول محنة ابن رشد الإيحاء بأن الإسلام حمل في تاريخه نوعا من الاضطهاد للعلماء والمفكرين، وهو ما رفضه محمد عبده،الذي أشار إلى أن المسلمين تسامحوا مع أهل العلم من كل ملة، وأن المسلمين في زمن الخلفاء الأوائل لم يقفوا عند احترام أهل العلم من المسيحيين واليهود فقط، بل أوكلوا إليهم العديد من الأعمال الجسيمة.
مؤكدا أن قضية التسامح في الإسلام تحظى بعناية كبيرة. ولم يكتف الإمام محمد عبده بذلك، بل ذهب إلى التذكير بكيفية الاضطهاد المسيحي للمغايرين في الدين، ضاربا المثل بما تم مع المسلمين واليهود بعد سقوط الأندلس.
هنا يسارع فرح أنطون إلى القول أن المسيحية لا تتحمل مسئولية الفظائع التي ارتكبها اتباعها من الجهلاء في الغرب، ثم ( نحن في الشرق لا في الغرب، والشرقيون المسيحيون لا علاقة لهم بالغرب، إلا كما لإخوانهم من المسلمين من علاقة به).
هذا الحوار الراقي والاختلاف في الرأي الذي لا يفسد للود قضية، ما أحوجنا إليه الآن بعد مرور أكثر من قرن عليه، ونحن نري الجهلاء وقد اعتلوا الساحات، واخذوا في نثر بذور الفتن، ليس بين المختلفين في الدين، بل وداخل أبناء الدين الواحد، فقد دخل فرح أنطون ومحمد عبده في صلب القضايا الشائكة من دون أن يجرح أيا منهما المنتمين إلى هذا الحزب أو ذاك، ولم تقم الدنيا أو تقعد وهما يخوضان في موضوعات إذا طرحت اليوم لفجرت ألسنة اللهب وأشعلت المعارك التي لا يحمد عقباها.
ما أحوجنا إلى العودة إلى قيم التسامح والاستنارة، لأن كلنا في الهم شرق.
