أريد أن أعترف للقارئ بأنني عاشق لأعمال الفنان المبدع آدم حنين، منذ مطالع العمر، ربما بحكم أنني أنتمي إلى جيل محظوظ أتيح لأبنائه أن يدرسوا على أيدي آخر الأساتذة الليبراليين العرب العظام، وأن يلتقوا بعمالقة كبار، من أمثال المعماري حسن فتحي والبحاثة جمال حمدان والفنان آدم حنين نفسه، وأن ينهلوا من معينهم الثري.

لهذا، على وجه الدقة، كان شعوري بالانزعاج عندما وقفت في متحف الكويت أمام تمثال «الديك البرونزي» الشهير من إبداع حنين، لأجده في ركن قصي من المتحف، وقد علاه غبار التجاهل والنسيان، مع إدراكي أن القائمين على المتحف يعرفون للعمل قيمته وجمالياته المحلقة عاليا. حلقت ذاكرتي، مؤخرا، في آفاق الفنان آدم حنين في سياقين اثنين، أولهما مع عكوفي على قراءة المادة المكتوبة عنه في كتاب «الفن المصري الحديث» للفنانة والناقدة ليليان كرنوك، وثانيهما مع توقفي عند محطات الحوار الذي أجراه الزميل جمال القصاص معه ونشر في صحيفة «الشرق الأوسط».

من المحقق أن الكثيرين قد توقفوا مثلي عند المرارة التي تحدث بها هذا الفنان الذي يوغل في مسيرة الثمانينات من عمره عن السر في أنه لم يقدم أيا من أعماله لتحتل مكانها في ميادين المدن العربية، حيث وضع يده بجرأة واقتدار على مكمن الوجع، كما يقولون، مشيراً إلى أنه لا يستطيع أن يضفي الجمال على مدن تستسلم لقبح يقبل هادرا ليتوغل في دروبها.

لا تزال تتردد في مسمعي كلمات آدم حنين الصارخة، وهو يهتف ردا على القصاص:هذه الحكاية لا أفكر فيها، لأنه ليس عندك ميادين محترمة، ليس عندك نظام، عندك يفط ولافتات بشعة، عندك قوانين بالية، عندك أي حد يفوت يربط أي حاجة في أي حاجة.

أنت عايش في خرابة اسمها مدينة، أنا أحط تماثيلي فين؟.

ما يقوله العم آدم حنين هو في جوهره مرثية دامعة حافلة بالألم والحزن والغضب لروح المدن العربية، والواقع الذي فرض هذه الكلمات يضرب جذوره في مجموعة من الحقائق والوقائع والأبعاد التي لم يعد من الممكن السكوت عنها أو تجاهلها، ومن الممكن اختزال بعضها في هذه النقاط:

أولا ـ ترييف المدن، فمنذ صدر القرن العشرين ضاق الريف العربي بأبنائه، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى المدن التي كانت قد شرعت في خوض تجارب في التحديث والتنمية، وبدلاً من تنظيم هذه الحركة والاستفادة منها بما ينعكس إيجاباً على المجتمع في مجمله، تركت لفوضى جائحة ومروعة، وهكذا بدلاً من أن تتحول المدن العربية إلى نقاط انطلاق نحو التنمية المستدامة تركت لتسقط تحت العبء الديموغرافي الهائل الذي جعلها تتردى إلى وهدة التخلف وتغدو جزءاً من الريف البائس بشراً وروحاً ومكاناً وممارسة وطريقة حياة.

ثانياً ـ تحزيم المدن بنطاقات العشوائيات، في قلب هذه الفوضى المروعة شهدت المدن العربية بروز أحزمة من الفقر حولها وتضخمها، في مناطق بدأت محدودة ومتباعدة أولا، ثم مالبثت أن تحولت إلى نطاقات متكاملة من العشوائيات المتفجرة بالجريمة والبؤس والسخط تسكنها شرائح رجراجة غامضة التكوين والولاء. المدهش حقاً أنه بدلاً من معالجة هذه الأحزمة عبر برامج متكاملة للتنمية والتشغيل والرعاية، بادرت السلطات المعنية إلى القبول بالأمر الواقع كجزء من نسيج المدن، بغض النظر عن العواقب في المدى البعيد.

ثالثاً ـ إطلاق العنان للتلاعب بالهندسة الاجتماعية للمدن، فكل من له حد أدنى من المعرفة بالمدن العربية الكبرى يدرك أن هذه المدن تعرضت لحملة هائلة ومنظمة ومستمرة من التلاعب بمكوناتها الاجتماعية وسلم القيم فيها، جنباً إلى جنب مع التلاعب بآليات الأداء الاقتصادي فيها وخرائط نموها العمراني.

ترى هل كان من قبيل الصدفة أن تدرس الجامعات الأميركية في القاهرة وبيروت تركيب الطبقة المتوسطة العربية جنباً إلى جنب مع التركيب السكاني في سيناء والجولان قبل نكسة 1967 مباشرة؟

رابعاً ـ الهروب العمراني إلى المستقبل، فمن شأن نظرة واحدة إلى تركيب المدن العربية ونموها العمراني أن توضح أننا لسنا حيال نمو طبيعي ومنطقي بقدر ما نحن بإزاء هروب إلى المستقبل، يردد أصداء طموحات شرائح معينة ومخاوفها وانغلاقها الأمني على نفسها، وهو ما يكاد يكون قفزاً في الظلام نحو المجهول.

من المؤكد أن بوسعنا المضي قدماً في رصد المزيد من النقاط المنتمية إلى هذه النوعية، والتي تضع يدنا في النهاية على خارطة لتردي المدن العربية وانكفائها، وهذه الخارطة هي نفسها التي تلفت نظرنا إلى عناصر الحل ومكونات العلاج.

ويقيناً أن مسار الحل يبدأ بانعقاد إرادة المجتمع على ضرورة الانتقال من وضعية التأزم إلى التنمية والتحديث، ويرتبط بذلك حتمية تكريس المجتمع لكل ما يستطيع من إمكانيات لتحقيق هذا التحول، وأن يعهد بالمسؤولية عنه للعناصر الأكثر قدرة وموهبة وأمانة وبعدا عن شبهة الفساد، وفي إطار عمل يحظى بتأييد الغالبية الكاسحة من أبناء المجتمع.

هذا كله ينقلنا إلى كلمات آدم حنين المضيئة عن ضرورة اقتران الحلم بالعمل، والاستناد إلى الذاكرة المشحونة بدروس الماضي، تحسباً لتقلبات زمن خؤون.

نعم يا عم آدم، إنه زمن القبح والتخليط والقمامة، لا يدري فيه مقتول من قاتله ولا لماذا قتله، لكننا قادرون على تجاوزه نحو زمن آخر من صنعنا، ونتاج عرقنا، زمن نرصع فيه المدن العربية بالجمال، ونكف فيه عن ترديد المرثيات.

kamel@albayan.ae