أفغانستان والبحث عن الزمن الضائع

أفغانستان والبحث عن الزمن الضائع

كم ضاع من عمر أفغانستان السياسي والاجتماعي ونحن نعيش القرن الواحد والعشرين؟ ليس هذا السؤال الوحيد الذي بإمكاننا طرحه في وقت يجتمع في مؤتمر لندن من اجل هذا البلد الممزق بكل الأمراض والعلل، أكثر من 60 بلدا أوربيا وإقليميا وعالميا ومنظمات دولية من اجل انتشال أفغانستان من مستنقعها الأمني وتدهورها التنموي وسقوطها في ارتباك داخلي وإقليمي واسع.

ماذا يعني مؤتمر لندن من اجل أفغانستان؟ وما الغرض منه؟ بعد عدة مؤتمرات «أفغانية» عقدت بعد اجتماع بون 2001 اثر قيام الحكومة المؤقتة، ثم عادوا بعد عام لمناقشة ما جرى من تطورات واعدوا لفكرة عقد مؤتمر دولي في برلين 2004 وخرجوا «بإعلان برلين» حيث وضعت ونوقشت فيه رؤية المجتمع الدولي للمستقبل السياسي لأفغانستان ومنحت في المؤتمر 8 مليارات.

في يناير 2006 عقد مؤتمر لندن، فانبثق عن المجتمع الدولي «اتفاق أفغانستان» وتمخضت عنه المبادئ العالمية للتعاون بين المؤتمرين بالإضافة إلى وضع المعايير وجدول زمني ينتهي سقفه حتى عام2010 بهدف متابعة فعالية الأمن والحكومة وعملية التنمية.

ومن اجل أفغانستان همست الولايات المتحدة وبريطانيا للقوى الإقليمية والحلفاء بأن يعقدوا مؤتمرات من اجل عين أفغانستان، والتي حسب تعبير ساسة المنطقة الأتراك إن شأن أفغانستان هو شأن بالدرجة الأولى يهم دول المنطقة، وهذا ما تؤمن به أيضا الهند وإيران ومجلس التعاون، فيما تراقب الصين المشهد بحذر.

رغم اتهام المجتمع الدولي لها بالتقصير والتردد. لهذا عقد في تركيا قبل عام في اجتماع قمة صغير وبحضور منظمة المؤتمر الإسلامي، إلا أن إيران تغيبت عن المؤتمر الأخير في تركيا والمنعقد قبل أسبوع من مؤتمر لندن.

اعتبر مؤتمر تركيا تمرينا وتحضيرا عاما لمؤتمر لندن لتقاطعهما وتلاقيهما في موضوعات عدة، غير ان الرؤية الهندية تجد إن ما لا يقل عن سبعة وعشرين بلدا سيحضرون مؤتمر لندن لديهم تباعد في الرؤى لكيفية معالجة ملف أفغانستان.

ونتيجة لتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة وفشل حكومة أفغانستان في الداخل من حل المشكلة بنهجها الأمني والعسكري، فولدت رؤية رئيس الوزراء البريطاني غولدن براون في شهر نوفمبر من العام الماضي، والتي هندست لمقترح مؤتمر لندن الحالي معلنا عن «أهمية ربط ومزج عملية زيادة القوات العسكرية في أفغانستان مع زيادة قوة الدفع والتحرك السياسي وتسليط الضوء للمجتمع الدولي عن الأولويات التي تواجه 43 دولة من تحالف الايساف، والسير بأقصى ما يمكن بالمجتمع الدولي لمساعدة أفغانستان في إدارة شؤونها الأمنية والسياسية».

وعولج بحرارة في طقس لندن البارد، مسودة وأجندة المؤتمر التي تمحورت حول خمس بنود أساسية، هو الأمن وإعادة توحيد أو دمج المعارضة مع الحكومة وثالثا بناء القدرة الاقتصادية لأفغانستان ومحاربة الفساد كبند رابع ثم أخيرا السياسة الخارجية، ولكن الجديد في المؤتمر هو إضافة المسألة اليمنية وما تشكله من قلق وخوف بانهيار الدولة واشتعال شبه الجزيرة العربية واهتزاز استقرارها المتأرجح.

ويعتمد نجاح فعالية ذلك المؤتمر بخلق ثلاثة مرتكزات أساسية قوية هي السيطرة الأمنية ووجود حكومة مستقرة وثالثا التعاون الإقليمي.

فكيف سيتم معالجة كل ملف ومحور وقضية داخل أروقة مشبعة برائحة الاختلاف والشك، في مواجهة دول كبرى إستراتيجيتها متماسكة كما هو بريطانيا والولايات المتحدة، فقبل أسبوع من مؤتمر لندن أعلنت الولايات المتحدة على لسان حال رئيسها باراك وممثلها في أفغانستان وباكستان هولبرك.

حيث تربط تلك الإستراتيجية عملية الاستقرار لكل من باكستان وأفغانستان معا. إذ ستبعث الولايات المتحدة 30 ألف جندي زيادة لتقوية وجودها العسكري بينما الناتو من جانبه غير قادر إلا على 7 آلاف من تلك القوات.

فيما تناقص عدد الألمان من 1500 إلى 500 جندي نتيجة الحوار الداخلي والمعارض للمساهمة القتالية، مفضلين تقديم عون لوجستي وفني لتدريب وتأهيل القوات الأفغانية، فيما ترى فرنسا أنها مستعدة فقط لإرسال فنيين خشية من فقدان الحكومة لشعبيتها المتراجعة.

وفي نفس الوقت الذي يعلن فيه اوباما عن زيادة قواته فإنه من الجانب الاخر يؤكد انسحاب بلاده مع نهاية عام 2011، مفضلا سياسة رفع القدرة الأمنية للقوات الأفغانية من 79 ألفا إلى 171 ألفا ليصبح الجيش الوطني الأفغاني قادرا على ضبط الاستقرار.

نتيجة إعلان إستراتيجية الانسحاب المعلن عن زمنها يرى العسكريون في الناتو إن ذلك ضرب من «المستحيل» التنبؤ به ومن الصعب تقديرها إلا على واقع الأرض، لحظتها بالإمكان الانسحاب وترك الحكومة الأفغانية مع شعبها. لهذا يرى الأمين العام للناتو أندرس راسموسن إن انتشال أفغانستان من مأزقها ليس باحتواء طالبان ودمجهم في وظائف ومواقع بعد تسليم أسلحتهم والقبول بالعملية السياسية في المجتمع كما هي رؤية الرئيس الأفغاني، شريطة أن تفك حركة طالبان ارتباطها بتنظيم القاعدة.

ما طرحه راسموسن هو إعداد برنامج اقتصادي اجتماعي يوفر فرصا للعمل لكل الشعب الأفغاني وليس حركة طالبان وحدها. وتسعى الدول الغربية خاصة بريطانيا مع حكومة كارازي شق صفوف حركة طالبان عن طريق احتواء الكوادر الوسطى والدنيا، والتعامل بانتقائية مع العناصر العليا خاصة المحسوبين على تيار التوافق السلمي، والذين يرون أنهم لا يقاتلون في بلادهم من اجل القاعدة، وإنما التقت مصالحهم معها في الاقتتال ضد عدو مشترك.

لهذا يصبح تكتيك التمزيق والاحتواء فنا بريطانيا قديما أو كما يقول وزير خارجيتها ديفيد بيلوند عن الحوار مع طالبان: «إن تقسيم العدو هو جزء هام من إستراتيجيتنا، انه الأسلوب المقابل/ الموازي لإستراتيجية الحرب»، وبأنه موضوع حيوي وفعال.

بين رؤى متعددة ومتباعدة في المؤتمر، ستظل أفغانستان تفتش عن طريقها وزمنها الضائع، لعل يستوعب الجميع إن ثقافة وذهنية الأفغان مختلفة كثيرا عن ساحات قتالية كالعراق واليمن والصومال وغيرها، فلكل شعب وبلد خصوصيته.

يبقى ان شعب أفغانستان الذي يقبل أن يعيش بالفساد والأفيون والفقر والتخلف له ثقافته الرافضة للمحتل، وموضوعه مختلف وشائك يتعدى الرغبات والكواليس.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات