الآلاف في اليابان يرددون صدى دعوة أوباما الشهيرة من أجل «التغيير» ـ لكنهم بالطبع يفهمون التغيير في سياق «تغيير العلاقات الأميركية اليابانية». كما حدث في كارثة تسونامي الإندونيسية في 2004، تقدم الولايات المتحدة الآن أكبر إعانات إلى هاييتي المنكوبة ومع ذلك فهي تتعرض لأكبر قدر من الانتقاد.

قبل أيام قليلة، عمدت الصين إلى تحذيرنا من مغبة إرسال المزيد من الأسلحة إلى تايوان.

طائراتنا التي تحلق بدون طيار لا تزال تقوم بدور القاضي وهيئة المحلفين والمقصلة للإرهابيين المشتبه بهم في باكستان.

لكن ماذا حل بحلم أوباما بانتهاج التعاون الدولي القائم على التعددية ـ أولاً، إن مشاكل العالم لم يكن سببها جورج بوش، وهي أكبر بكثير من شخص بوش ـ ولذلك لا يمكن حلها بسهولة بمجرد غيابه عن الساحة. من الواضح ان أوباما خلط بين ما يقوله الناس وما تفعله الدول.

أوباما قد يلقي خطباً رنانة في الخارج ويتوج بجائزة نوبل للسلام عن رؤيته المداهنة للأخوة العالمية الجديدة. لكن، لسوء الحظ، فإن زعماءنا الوطنيين أنفسهم لا يتصرفوا مثل رواد المسرح المبتهجين أو المفكرين الأوروبيين. بل، تحكمهم فقط المصالح الشخصية طويلة الأمد .

وليس الفورات العاطفية المؤقتة . ولذلك فهم يسعون لتوسيع دائرة نفوذهم كلما سنحت لهم الفرصة. وحري بأوباما أن يفهم ذلك الفرق. فالعالم بدون قيادة أميركية قوية سيصبح مكاناً أخطر بكثير، حيث سيتصرف الأقوياء كما يشاؤون وسيرضخ الضعفاء لمشيئتهم.

المسؤوليات التي تحملتها الولايات المتحدة كانت مكلفة جداً ولم تحظ مع ذلك برضا أو تقدير الأطراف الدولية. لكن الشعب الأميركي شعر أن ذلك الخيار السيئ الفعال كان أفضل بكثير من البديل السلبي الأسوأ منه والمتمثل في السماح بمزيد من الفوضى التي كانت قد دمرت جزءاً كبيراً من حضارتنا في النصف الأول من القرن العشرين. وإذا هزأ الحلفاء أحياناً من أميركا، فإنهم كانوا، في سرهم، على الأغلب مرتاحين لحقيقة أن هناك شرطياً عالمياً.

وان الشرطي هو نحن وليس الصين أو إيران أو روسيا. وحتى بعد أن كسبت أميركا الحرب الباردة، بقيت متمسكة بالحفاظ على السلم الذي أتاح بزوغ عولمة جديدة أخرجت ملايين الناس في أنحاء العالم من مستنقع الفقر. وربما يعتقد أوباما لأسباب عملية أو نظرية صرفة أن أميركا لم تعد قادرة ولا ينبغي لها بعد الآن الاستمرار في تحمل أعباء لعب دور اللاعب العالمي الأبرز، وربما يعتقد حتى أن تلك المكانة البارزة لم تكن فعلاً ضرورية وأدت إلى عكس النتائج المرجوة نفسها في معظم الأحيان.

ويتجلى ذلك الموقف الخجول بشكل واضح في كثير من الأحيان في اعتذارات وانحناءات أوباما المتكررة، وهجومه على السياسة الأميركية الخارجية السابقة، وإشاراته إلى أن التوترات في الخارج سببها سوء الفهم ـ على الأغلب من جانبنا ـ وليس الفوارق الجوهرية في الشخصية القومية والأهداف. لكن على الأقل عليه أن يعترف أنه في مثل هذا الخواء الذي يخلقه غياب النفوذ الأميركي، سوف تعم الفوضى لتنسف النظام الذي كانت تسير به الأمور بشكل طبيعي.

إن الوعود بإغلاق معسكر الاعتقال في غوانتانامو، التخطيط لمحاكمة خالد شيخ محمد، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر في نيويورك، بث الخطايا الأميركية السابقة المفترضة على الملأ، إعطاء مهل أخيرة لا معنى لها لإيران، وازدراء حلفاء مثل بريطانيا، إسرائيل، بولندا وجمهورية التشيك.. كل ذلك لن يثني الأعداء عن معاداتنا ولن يخفف من حدة التوترات في العالم.

القاعدة تتنبأ المسؤولية عن محاولة تفجير الطائرة الأميركية في يوم عيد الميلاد ـ وتعد بمزيد من الدمار. كوريا الشمالية لا تزال تطالب بالرشوة لتضع أسحلتها النووية جانباً. روسيا تتبجح بالحديث عن جيل جديد من الأسلحة. هوغو شافيز يواصل الكلام عن مكانته الوشيكة كبلطجي إقليمي.

في الواقع إن كل هذا التبجح ينمّ عن شكوك متزايدة في الخارج، بحق أو بغير حق، بأن أميركا الآن ساذجة، غير مستقرة، مفلسة وغير راغبة أو مستعدة للتصدي للتحديات كما في السابق.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae