التنمية غير النمو، فالنمو هو الطبيعي، كالنمو السكاني بالمواليد، ولكن التنمية هي التي يتدخل فيها الإنسان والدول بخطط واستراتيجيات، تطبق لإحداث تحولات في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والتنمية مصطلح ظهر مع تطور المجتمعات في تاريخنا المعاصر، في الوقت الذي كانت فيه تلك المجتمعات وغيرها تعيش حالة من النمو الطبيعي في المجالات المختلفة.
ففي مجال التعليم مثلاً نرى نمواً وتنمية في آن، ففي حين يسعى الجميع للتعلم، يسعى بعض الدول لعدم الاكتفاء بالنمو الكمي، بل بالتنمية الكيفية كي تتقدم مجتمعاتها، وهذا حدث في الدول الغربية واليابان وبعض الدول النامية.
أما تعريف مصلطح المطالب الشعبوية، فهو كذلك مفهوم حديث، على الرغم من انه كان يمارس من قبل الدول والقوى السياسية والاجتماعية، عبر مراحل التاريخ. وقد يتساءل البعض عن الفرق بين الشعبوي والشعبي، وبكل تأكيد هناك فرق بين المصطلحين، فالشعبي هو الحق الطبيعي للناس، والشعبوي هو الذي يأتي نتيجة تعبئة لتحقيق أهداف ربما غير شعبية، هذا من وجهة نظرنا.
وقد يختلف معنا آخرون وهذا شأنهم. ونحن في هذه المرحلة التاريخية نعيش حالة من المطالب الشعبوية، التي يدفع بها بعض القوى السياسية والاجتماعية باسم التنمية أو من أجلها، فحتى يحقق حزب أو فرد أو جماعة مكسباً سياسياً أو اجتماعياً، يطرح مطالب شعبوية، وفي حالة تحقيقها يحصل على مكاسب أهمها تأييد قطاعات أو فئات مجتمعية، وقد تكون تلك العملية على حساب التنمية ومستقبل الأجيال وليس لصالحها.
والنتيجة هي أن من تزعم هذه المطالب كسب سياسياً واجتماعياً تأييد وتعاطف فئات ومجموعات من الناس، ولكن على المدى الطويل خسر الشعب جزءاً من ثروته، وخسرت الحكومة التي استجابت للضغط سمعتها ودورها الحقيقي في التنمية.
ونحن هنا في دول الخليج العربية معرضون لمثل تلك المطالب، نظراً لوجود الثروة والدخل الجيد، ولأن تفكير البعض للأسف لا يتعدى مصالحه الشخصية، وبعض حكوماتنا ليست من القوة بحيث تقول «لا»، لهؤلاء الذين يسعون لتبديد الثروة من أجل مكاسب آنية شعبوية.
فإذا كان مثل تلك المطالب يجد استجابة من عدد من الناس الذين يعتقدون أنهم سيستفيدون منها في حالة تحقيقها، فإن ذلك يدل على قصور في الوعي أولاً، وعلى أن المصالح الشخصية قد طغت على المصالح العامة. فلماذا لا تترجم تلك المطالب في مشاريع تنموية استراتيجية وأساسية، يستفيد منها الجميع في الحاضر والمستقبل؟
إن تأثير مثل تلك المطالب الشعبوية سلبي على مسيرة التنمية، ويمكن ذكر بعض الأمثلة على ذلك.
فعندما تكون المياه العذبة والكهرباء مجانية أو شبه مجانية، يرى ذلك البعض أن دولنا غنية ويمكنها تحمل تكاليف الماء والكهرباء، ولا يجب أن يتحمل المواطن قيمة استهلاكه لهما، دون أن يقدم هذا المواطن بديلاً لبلده فهو يأخذ ولا يعطي! المسألة ليست في أن دولنا غنية وعليها أن توزع الثروة على الناس، بل عليها إقامة مشاريع تنموية يستفيد منها الجميع.
فمثلاً عندما نبني طرقاً ومواصلات جيدة، أو نعمر جزراً، أو نهتم بالمستشفيات بدلاً من العلاج في الخارج... الخ، نكون سرنا في طريق التنمية التي يستفيد منها الجميع في الحاضر والمستقبل. وقد تسمع بين الحين والآخر أصواتاً تنادي بتوزيع مبالغ على المواطنين، عندما يرتفع سعر النفط مثلاً ويزداد بذلك دخل الدولة! أي عقلية هذه؟ وأي عبث هذا بالثروة الوطنية ومستقبل الأجيال مقابل مكاسب مادية وسياسية واجتماعية آنية؟!
وبدلاً من أن نبني جامعات حديثة ونوعية، يطالب البعض بمنح الطلبة جميعاً مكافآت أو رواتب، بحجة أن لدينا فائضاً في الدخل. إن الفائض في الدخل لدى الدول المتقدمة يوجه للاستثمار في الداخل والخارج، ولكنه يهدر لدى الدول المتخلفة بمثل تلك المطالب الشعبوية. ولا نلوم عامة الناس الذين يرحبون بتلك المطالب، ولكن اللوم على عدد من السياسيين والقيادات الاجتماعية التي تتزعم تلك المطالب الشعبوية.
والسؤال الآن؛ كيف نضع حداً للمطالب الشعبوية وليس الشعبية؟ لأن المطالب الشعبية حق مشروع إذا كانت تتعلق بضرورات الحياة، من مسكن ومأكل وتعليم وعلاج. الخطوة الأولى في ذلك الاتجاه هي خلق وعي وثقافة عامة، تدرك أن أصحاب المطالب الشعبوية لهم أغراض خاصة، ويريدون مكاسب أكثر من تلك التي تعود على الفئات التي ينادون بأحقيتها لتلك المطالب.
والخطوة الثانية أن تدرك الحكومات أن مثل تلك المطالب الشعبوية، تشكل عبئاً عليها مادياً وسياسياً، وستدفع ثمنه إن عاجلاً أو آجلاً، والخطوة الثالثة، أن يدرك المثقفون ويبادروا إلى مواجهة مثل تلك المطالب التي ستؤدي إلى هدر المال العام وهدر الإمكانية في دولنا، وجعل شعوبنا اتكالية وغير منتجة، ويساهم أولئك في تشويه معنى الانتماء والمواطنة الحقيقية.
لقد تحقق بعض تلك المطالب الشعبوية في بعض دولنا، فماذا كانت النتيجة؟ هل انتهت تلك المطالب وهل شبع أصحابها؟ وما هي فائدتها؟ إن الخضوع للضغط يؤدي إلى مزيد من المطالب، والى مزيد من الضغط، وإلى مزيد من الهدر، وعلينا أن نقف في وجه هذه الموجه ونوقفها، ثم نستبدلها بتحقيق مطالب شعبية ذات طابع مؤسسي عام، يستفيد منها المواطن، وليس بالضرورة بالطريق المباشر.
ونذكر هنا مثلاً؛ عندما ضغطت المعارضة الكويتية في مجلس الأمة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، واستجابت الحكومة لمطالبها بسيطرة الدولة على الثروة النفطية، ألم تكن النتيجة أن كل المواطنين قد استفادوا من تلك الخطوة الاستراتيجية؟
فلماذا ابتعدنا عن مثل تلك المطالب الأساسية إلى المطالب الشعبوية؟ ولماذا هذا الانحدار في الثقافة وفي الفهم التنموي؟!
كاتب كويتي