قام رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، خلال الأيام الماضية، بزيارة العاصمة الروسية موسكو، بناء على دعوة من قيادة الكرملين، وهي زيارة تحمل العديد من المدلولات والمؤشرات المهمة، لثالث زيارة رسمية لقيادة حركة «حماس» إلى موسكو خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وبعد سلسلة من الاتصالات الروسية مع قيادة «حماس» التي لم تنقطع طوال الفترات الماضية.
خصوصاً اتصالات وزير الخارجية ألكسندر لافروف مع خالد مشعل، واللقاءات التي لم تنقطع بين مشعل والمبعوث الروسي للمنطقة ألكسندر سلطانوف، وهو الخبير المعروف بقضايا المنطقة، والمتحدث الفصيح باللغة العربية.
وذلك في سياق التطور الملموس للرؤية الروسية لمسار الأحداث في الشرق الأوسط، ومحاولة موسكو الجادة لتمييز مواقفها عن المواقف الأميركية، وحتى الأوروبية، وتعاطيها الجدّي مع مختلف أطياف الخريطة السياسية الفلسطينية، بعيداً عن تصنيفات الغرب المعروفة لها.
وزيارة مشعل على رأس وفد رفيع المستوى من قيادة حركة «حماس»، تأتي بعد أقل من شهر واحد على زيارة الرئيس محمود عباس إلى موسكو، في إشارة روسية قوية تدل على رغبة موسكو في إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتمتين الموقف الفلسطيني في مواجهة الضغوط الأميركية الهادفة إلى جر الحالة الفلسطينية نحو مربع التسوية المطروحة من الجانبين الإسرائيلي والأميركي، دون احترام المرجعيات الدولية، ودون احترام الشركاء الدوليين في ميدان الأمم المتحدة، وحتى اللجنة الرباعية الدولية.
ومن نافلة القول، أن هناك مكونات واضحة يختفي وراءها سر علاقات حركة «حماس» مع موسكو، وانفتاح الأخيرة عليها، على الرغم من توصيفات الغرب لحركة «حماس». فروسيا التي وجدت نفسها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تعيش حالة من التخبط والارتباك وفقدان الوزن، تحاول منذ سنوات العودة إلى ساحة الحدث.
ومواجهة الإقصاء الأميركي والغربي الذي مورس ضدها طوال العقدين الماضيين، متخذة من العودة إلى ساحة الشرق الأوسط مدخلاً لإعادة حضورها السياسي والمؤثر في ميدان الدبلوماسية الدولية.
فموسكو التي كانت تحتفظ بعلاقات تاريخية مع مجموعة من الدول المؤثرة في المنطقة، والتي كانت قد ارتبطت مع بعضها بمعاهدات صداقة وتحالف؛ كالعراق وسوريا والجزائر وليبيا ومصر، زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ترى في المنطقة ميداناً مهماً لمصالحها الاستراتيجية وحتى التاريخية، في التواصل مع شعوب الشرق الأدنى (وفق المصطلح البريطاني زمن الحرب الكونية الثانية).
ومن هذا المنطلق نستطيع تفسير الاتجاهات الحالية للسياسة الروسية بالنسبة إلى الموضوع الفلسطيني، وحرص روسيا على الانفتاح والتواصل مع منظومة القوى والأحزاب الفلسطينية عامة، والنافذة خاصة؛ كحركتي «حماس» و«فتح».
وموسكو التي وجدت نفسها مهمشة على امتداد الفترة الماضية، تخطو الخطى بجرعات التفاؤل لإعادة المجد الضائع، فهي وريثة الامبراطورية السوفييتية، ومن قبلها القيصرية، ومن هنا تعمل للولوج إلى دائرة الفعل، بعد سنوات من العزل والإقصاء.
تقرع الأبواب بدقات قوية، تذكّر العالم بأنها ما زالت الشريك والراعي الدولي القوي في إطار اللجنة الرباعية، والقادر على فرملة اندفاعات السياسة الأميركية، وأنها ما زالت تتمايز بحدود معقولة عن الموقف الابتلاعي لواشنطن.
ومن هنا، فإن روسيا الدولة الكبرى في العالم، ارتبطت وسارت في اتجاه بناء علاقات من التواصل السياسي مع حركة «حماس»، على الضد من مواقف الولايات المتحدة والغرب المتأثر بسياساتها.
وفي حين تجري حركة «حماس» لقاءات متواصلة مع بعض صنّاع القرار في الغرب الأوروبي، وخلف الستار غالب الأحيان، فإن موسكو أرادت إجراء تلك الاتصالات تحت ضوء الشمس، في نظرة تحد للسياسة الأميركية، ولمساعي العزل والإقصاء التي تعمل واشنطن من خلالها، لإعادة تركيب وقولبة الحالة الفلسطينية تحت سقف رؤيتها للتسوية في الشرق الوسط، وهي رؤية تتناغم مع الرؤية الاسرائيلية، وتبتعد عن مرجعية وقرارات الشرعية الدولية.
وعليه، نلحظ منذ مدة مساعي روسيا لعقد مؤتمر موسكو للتسوية في الشرق الأوسط، فيما تسعى باريس بدورها لتثبيت حضورها ولو شكلياً، عبر التبشير بإمكان قيامها بالدعوة إلى مؤتمر مشابه في باريس، بشكل مصغر، وليوم واحد، بهدف إعادة إطلاق المفاوضات على المسار الفلسطيني/ الإسرائيلي حصراً، وبديناميكية تفاوضية تضع قطار العملية على سكتها مجدداً، واستعادة «المرجعيات التي تزخر بها جلسات التفاوض الماضية.
وما أفضت إليه من الاتفاقات غير المنجزة، والتي عالجت معظم المسائل الخلافية في الصراع»، وفق التعبيرات الفرنسية الرسمية، وبحضور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وزعماء الأطراف المشاركة في اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، روسيا، الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي)، والرئيس المصري حسني مبارك، وملك الأردن عبد الله الثاني، وانطلاقاً من أن الرئيس حسني مبارك والرئيس نيكولا ساركوزي هما رئيسا «الاتحاد من أجل المتوسط».
وفي هذا السياق، فإن تقديرات المتابعين تشير إلى أن مؤتمري موسكو وباريس المشار إليهما، لن يكونا سوى مؤتمرين إعلاميين على غرار مؤتمر «آنابوليس»، فموسكو تدرك أنها لن تنجح حقيقة في إعادة تنشيط مسار العملية التفاوضية عبر مؤتمر تدعو إليه، لكنها تريد من وراء ذلك المشاغبة على الدور الأميركي، وإفهام واشنطن أنها لن تبقى الوحيدة التي تقرر مصائر الكون، دون مراعاة للمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، والتي كانت في أجزاء واسعة منها منطقة نفوذ تاريخي للاتحاد السوفييتي السابق، وبالتالي روسيا الحالية.
إن ولوج خالد مشعل وقيادة «حماس» إلى الساحة الحمراء وقصر الكرملين للمرة الثالثة خلال ثلاثة أعوام، يشير في جانب منه إلى أن وقائع الحياة السياسية ومصالح المنظومات الدولية المختلفة، تستوعب كل المتغيرات، خصوصاً وأن المتغير الفلسطيني أطل بنفسه بطريقة ديمقراطية، منذ فوز حركة «حماس» بالانتخابات التشريعية عام 2006.
كاتب فلسطيني ـ دمشق