«ينبغي أن يصبح الحلف الأطلسي (الناتو) منتديً حول مسائل الأمن العالمي». هذا هو على وجه الدقّة مفاد ما قاله قبل أيام، على هامش المؤتمر الدولي حول الأمن في ميونيخ، أندريه فوغ راسموسن الأمين العام للحلف الأطلسي، في مقابلة له مع صحف أوروبية عدّة. الكلام واضح، والقصد واضح أيضاً، وهو، حسب القاموس المستخدم، الارتقاء بالحلف الأطلسي إلى «مستوى أعلى»، بحيث يغدو دوره «أكثر عالمية».

لم تتأخر ردود الأفعال على المشروع الأطلسي بحلّته العالمية، إذ كان وزير الدفاع الألماني كارل تيودور غوتنبرغ سريعاً وواضحاً وصريحاً، عندما قال: «إننا لا نريد أن نجعل من الحلف الأطلسي وكالة للأمن العالمي». والموقف الفرنسي يذهب تاريخياً، حتى بعد عودة فرنسا رسمياً إلى الحلف، نحو التأكيد على الشراكة مع الولايات المتحدة، ولكن ليس التبعية لها.

هذا ما شرحه سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية بيير لولوش، المقرّب من الرئيس ساركوزي، في كتاب صغير تحت عنوان «الحليف غير المطواع: فرنسا والحلف الأطلسي من الحرب الباردة إلى أفغانستان»، وتبدو فيه فرنسا في ثوب «الحليف غير المطواع» للرؤية الأطلسية الأميركية. وأكّد لولوش الموقف نفسه في مقابلة له مع مجلة «السياسة الدولية» للفصل الأول من عام 2010.

طبعاً شقّة الخلاف عميقة بين التوجّه الأطلسي المطروح، وبين روسيا التي تعتبر أن أي تحرّك أطلسي يعنيها، هذا إذا لم يكن يستهدفها مباشرة؛ ولذلك لا تتوقف عن التحذير من النوايا الأطلسية. وهذا ما دعا الأمين العام للحلف، لتوجيه الحديث إلى وزير الخارجية الروسي في ميونيخ قائلاً: «ليس لدى الحلف الأطلسي أيّة نيّة للهجوم على روسيا، بل نريد إقامة علاقات استراتيجية معها، ذلك أننا نواجه التهديدات نفسها».

وفي مقولة «مواجهة التهديدات نفسها» يكمن لبّ المشكلة و«مربط الفرس»، كما يقال. وليس بين التوجّه الأطلسي ـ الأميركي وروسيا فحسب، ولكن بينها وبين الحلفاء في الاتحاد الأوروبي أوّلاً وأساساً، ذلك أن تحديد التهديدات يقتضي تحديد المهمّات.

والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، صادق قبل أيام على مبدأ عسكري جديد يضع الحلف الأطلسي في طليعة التهديدات التي تثقل على روسيا، وذلك عبر «عولمة حدوده، وخرق معايير القانون الدولي».

أمّا الدول الأوروبية الرئيسة ـ باستثناء الحليف البريطاني المتطرّف في إخلاصه للولايات المتحدة ـ فتؤكّد على حصر مهمّات الحلف الأطلسي بما كانت عليه أصلاً، والمحددة في وثائقه التأسيسية ب«حماية الحلفاء وحدودهم ومواطني دولهم».

الرؤية الأطلسية ـ الأميركية الجديدة، تؤكّد على المهمّات نفسها، مع تعديل «طفيف»؛ وهو أن الدفاع عن الحدود والمواطنين المعنيين يبدأ أحياناً، وبخاصة في السياق الدولي الراهن، في مناطق تقع خارج الإطار الجغرافي لبلدان الحلف.

ذلك يعني أن الدفاع عن أميركا وأوروبا، يتم اليوم في أفغانستان وربما غداً في إيران! وتضاف هنا، من أجل «تهوية» المشروع، مهمّات أطلسية «عالمية» أخرى؛ كمكافحة قراصنة البحار، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإدارة الكوارث الطبيعية.

«النسخة المعدّلة» التي يريد الأميركيون تبنّيها لدور الحلف الأطلسي، تمثّل شروعاً في التأسيس لمنظّمة، ستصبح بالتعريف منافسة لمنظّمة الأمم المتحدة؛ مع ما يترتب على هذا من ضرورات تعديل لمواثيق الحلف، ولمهمّاته وطرق وأعباء تمويله وآليات عمله. هذا مع الفوارق الجوهرية بين طبيعته «الجديدة» المقترحة، وبين طبيعة الأمم المتحدة.

إن ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 لا يحتوي مرّة واحدة على كلمة «حرب»، بل قامت المنظّمة أصلاً على قاعدة «نبذ الحرب». وهي تقوم بدور «الوسيط» أو «الشرطي» للفصل بين المتحاربين، وفي الحد الأقصى بإعطاء «الضوء الأخضر» لرد العدوان على بلد ذي سيادة.

الأمم المتحدة ليست هي التي قامت بتحرير الكويت عام 1991، ولكن قام به تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، وفي سياق التوافق الدولي العام بعد نهاية الحرب الباردة. لكن الولايات المتحدة لم تستطع الحصول على الضوء الأخضر نفسه عام 2003.

ومثل هذه الآلية في اتخاذ، أو عدم اتخاذ، قرارات التدخل العسكري، لن تكون موجودة في إطار الحلف الأطلسي «المعدّل»، حسب المنحى الأميركي.

وفكرة قيام حلف أطلسي «معولم»، تعني نوعاً من العودة إلى ذهنيّة «الاستقطاب» و«المعسكر» في مواجهة الآخرين، وبخاصّة روسيا والصين والدول الصاعدة. الولايات المتحدة قد ترى في ذلك أداة لاستعادة هيمنتها العالمية، بما يشبه «الدخول من النافذة بعد الخروج من الباب».

لكن الأوروبيين ليست لهم مصلحة في هذا المسار، بل يفضّلون إقامة علاقات مباشرة، «على قاعدة المصالح المتبادلة» مع هذا البلد أو ذاك. ولعلّ مصادر الطاقة الروسية أكثر جذباً لهم من حلف أطلسي ذي بعد عالمي، قد يدفع بهم إلى مغامرات لا يريدون الدخول فيها.

وبهذا المعنى تبقى الأمم المتحدة هي المجال الأفضل المتوافر في إطار ما هو قائم، للتعبير عن صوتهم، كما فعلوا قبل غزو العراق الأخير، الذي لا يزال مستمرّاً منذ ربيع ,2003. وأمم متحدة «على علاّتها»، أفضل لهم من حلف أطلسي «على ما يريد الأميركيون له أن يكون».

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr