كنت أتمنى أن يمتد العمر بأستاذ علم الاجتماع المرموق الدكتور علي الوردي، ليدرك العراق في عهده الجديد، فقد عاش شطراً طويلاً من عمره المديد (1913-1995) تحت النظام السابق، الذي في ظله أضحى متحفظاً، فألف كتبه المرموقة (وعاظ السلاطين، حكاية الأدب الرفيع، شخصية الفرد العراقي، ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق، بأجزائه السبعة).

إما في العهد الملكي، أو في الفترات الأولى لتسلم النظام السابق. وكنت محظوظاً على أن أطلع على مؤلفه «لمحات اجتماعية» (الجزء الأول) في وقت مبكر من شبابي، بحيث إنني حينما قابلت الوردي شخصياً (وهذه أيضاً من محاسن الصدف) ناقشته في محتوياته، وكان ذلك في مؤتمر عقد في الكويت حول علم الاجتماع عام 1972.

وأستطيع القول باطمئنان ان الوردي تبنى نظرية العلامة العربي ابن خلدون، وحاول أن يطبقها في تحليله للمجتمع العراقي، فأبدع في ذلك أيما إبداع.ولعل ما كنت أتمناه من بقاء الوردي على قيد الحياة ليدرك المجتمع العراقي في تطوراته الأخيرة.

هو أنه كان سيرى أن تحليلاته التي كتبها في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، ما زالت تنطبق على المجتمع الحاضر في أيامنا هذه، بالذات ما يتعلق منها بالبنى القبلية والطائفية، التي كانت راقدة أو «تحت الرماد»وبرزت وكشرت عن أنيابها بعد العام 2003!فهو لم تكن تخدعه تلك الشعارات البراقة التي كانت الأحزاب المختلفة تطرحها.

والتي كانت بوحيها تحلل المجتمع، إذ كان يرى أن مجتمعه العراقي وربما العربي، أبعد ما يكون في واقع حاله عن تلك الشعارات، ولذلك دخل في جدال مع مختلف القوى حول تحليل المجتمع العربي، والعراقي بوجه الخصوص، ولو كانت فسحة الحرية أكبر أيامه، لسمعنا منه حججاً قاطعة بأكثر مما طرح في مؤلفاته الأخيرة.

وقد افتتن الوردي بابن خلدون كما افتتنا نحن بآرائهما، فاتخذ آراءه مادة لأطروحة الدكتوراه التي قدمها لجامعة تكساس في منتصف القرن الماضي (1950)، ثم ظل مولعاً به بعد ذلك، يحرص على «اقتناء كل ما يظهر حوله من كتب ومقالات»، كما يكتب في كتابه:«منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته».

ولعل اهتمامه نابع من حقيقة أن ابن خلدون تجاوز الفلاسفة القدامى، وبالأخص أفلاطون وأرسطو، باستنباطه لأفكاره من واقع الحياة التي كان هو منغمساً فيها، وليس انطلاقاً من الوقائع المجردة.

وبالتالي، فهو «كان يعيش في مرحلة فكرية تشبه من بعض الوجوه هذه المرحلة التي نعيش فيها نحن العرب.إن كثيراً من المتعلمين ـ يستطرد الوردي ـ بيننا لا يزالون ينظرون في أمور الحياة بمثل النظرة التي كان ينظر بها الفلاسفة القدامى، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إذ هم يهملون ما في الحياة من واقع صارخ، ويحلقون في سماء المنطق التجريدي والأفكار الطوبائية، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق»!

ويرى الوردي أن جوهر نظرية ابن خلدون، إنما هو قائم على فكرة «البداوة والحضارة، وما يقع بينهما من صراع»، وذلك لاختلاف قيم الفريقين، وهو ما يؤدي إلى حركة دائرية في انتقال المُلك من أهل الحضر المترفين، إلى أهل البادية الصلبين، ثم ما يلبث هؤلاء أن يتحضروا وينغمسوا في ترف المدنية وتضعف عصبيتهم، حتى يظهر لهم قوم آخرون من أهل البادية، يقضون عليهم ويؤسسون دولة جديدة.

وقد حلل الوردي حالة المجتمع العراقي، فوجد أن الفرد فيه يتنازعه نمطان من القيم، تلك القيم الحضرية التي هي واقعه، كونه يعيش حياة الاستقرار في المدينة أو في الريف، والقيم القبلية التي هي قيم الترحال، وما فيها من العصبية والمشيخة والضيافة والثأر.

وحتى النزعة الطائفية، فقد «اتخذت طابع العصبية القبلية»!بل «إن النزاع الحزبي الذي حدث في العراق إثر ثورة تموز، كان غير خال من بعض آثار العصبيات المحلية والبلدية والطائفية على وجه من الوجوه»!

ويضرب لنا الوردي مثلاً طريفاً بأخلاقيات أهل المدن وبمدى سيطرة القيم القبلية عليها، فيقول:«روي لي أن جماعة سطوا ذات ليلة على دار وأخذوا يجمعون منها الأواني وبعض الأثاث، فأحست بهم أم البيت وهي خائفة، فأيقظت ولدها الصبي قائلة له:قم ساعد أخوالك على حمل متاعهم.

وسمع رئيس اللصوص قولها فأمرهم بترك ما سرقوا، باعتبار أنهم صاروا إخوة لأم البيت وأخوالاً لولدها، وليس من الجائز في شرعة الرجولة والنجدة أن ينهب الإنسان أخته وأبناء أخته».

لم يُكرم العلامة علي الوردي في عز عطائه، رغم ذيوع صيته وشهرته في الأوساط العلمية، وحينما فكرت الدولة في ذلك، يروي الكاتب العراقي قاسم حسين صالح في مؤلفه «المجتمع العراقي:تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث»، كان الوردي في أرذل عمره وعلى فراش المرض، فكلف ابنه أن ينقل للحاضرين بيتاً من الشعر لا غير، وهو:

جَاءت وحِياضُ الموت مترعة وجَادت بوَصلٍ حيث لا يَنفع الوصلُ

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com