تكلفة «الحرب على الإرهاب» لها جانب اقتصادي.لا أقصد بذلك مئات المليارات من الدولارات التي تستنزف الخزينة العامة الأميركية، من خلال الإنفاق الأسطوري على غزو العراق واحتلاله، وعلى نحو تسع سنوات من الصرف على الحرب في أفغانستان.
كما لا أقصد عشرات المليارات التي تشكل الميزانية السنوية لوكالة الاستخبارات الأميركية، والتي تذهب لتمويل شبكات وعمليات استخبارية مرتبطة بمطاردة وتعقب الإرهابيين في جميع أنحاء العالم.أفراداً وجماعات وحكومات.مثل هذا الإنفاق يندرج تحت بند «التكلفة المباشرة»، لكن هناك تكلفة غير مباشرة.وهذا ما أقصده.
إليكم أولا حكاية ذات مغزى، يرويها مراسل مجلة «الاكونومست» اللندنية في واشنطن، عما جرى له في مطار أميركي، وهو عائد من بريطانيا إلى مقر عمله في العاصمة الأميركية.
يقول المراسل البريطاني:بأمر ضابطي الأمن في المطار، خلعت حذائي وجاكيتتي والقفازين والمعطف والقبعة والمحفظة والمفاتيح، ثم مررت بإزاء جهاز التفتيش. وعندما أطلق الجهاز صيحة، أدركت أنني نسيت أن أخلع حزامي.وفي هذه الأثناء كان كل من الضابطين يخاطبني بفظاظة لا مزيد عليها.
وقع هذا المشهد المتكرر في مطارات الولايات المتحدة قبل سريان إجراءات التفتيش الإضافية، ومن بينها تعريض الأجانب القادمين إلى جهاز مسح ضوئي، يعكس جسم الزائر على شاشة الكترونية وكأنه قد تعرى فعلا.وقد يشمل التفتيش تحسس الأجزاء الحساسة في الجسم.
ولكن.. ما مغزى الحكاية؟ من خلال مسح للرأي نظمه اتحاد شركات السفر والسياحة الأميركية، ثبت ان غالبية الزوار القادمين إلى الولايات المتحدة، يعتقدون أن ضباط أمن المطارات والموانئ الأميركية يسيئون أدب المعاملة.
وثبت أيضاً أن إجراءات الدخول إلى الأراضي الأميركية، هي الأسوأ في العالم بأسره.لهذا أخذت أعداد الزوار والمهاجرين إلى الولايات المتحدة تتقلص، بما في ذلك أصحاب الكفاءات والدارسون.
ففي عام 2001 كان 28% من الطلاب الدارسين في الخارج في كافة أنحاء العالم، يدرسون في جامعات أميركية، والآن تناقصت هذه النسبة إلى أقل من 20%، رغم أن العدد الإجمالي للطلاب الذين يدرسون خارج أوطانهم زاد في هذه الأثناء بنسبة 50%.
ويتساءل مراسل «الإكنوميست»:ما أهمية هذه الحقيقة؟ ويجيب: إن عدد الأجانب والمهاجرين يشكل أكثر من نصف عدد الباحثين في الولايات المتحدة إجمالا، ومن بين العلماء الذين يقومون بإجراء بحوث علمية ذات مستوى عال 60% من أصول أجنبية.
إن الطلاب والباحثين الأجانب المقتدرين ماليا، يتوجهون صوب الجامعات الأميركية لأنها الأفضل في العالم، لكن التجربة القاسية للحصول على «فيزا»، ثم المعاملة الفظة في المطارات الأميركية، أصبحت الآن تدفع بالطلاب والباحثين إلى وجهات أخرى في العالم.
هناك مشكلة مماثلة تعترض، ليس فقط الباحثين والطلاب، وإنما أيضا من يريدون التوجه إلى الولايات المتحدة في زيارات قصيرة.وتتمثل هذه المعضلة في ان الهيئات المنظمة للمؤتمرات العلمية العالمية، أصبحت تتردد في عقد مثل هذه المؤتمرات في أميركا، لأن المدعوين للمشاركة أو بعضهم لن يتمكنوا من الحضور.
وعلى سبيل المثال، فإن عالم فيزياء روسياً يعد مرجعاً عالمياً في هذا التخصص العلمي، تقدم بطلب للحصول على «فيزا» لحضور اجتماع لاتحاد علماء الفيزياء الأميركيين.
ومن قبيل التحوط للتأخير، بعث بالطلب قبل ثلاثة شهور من موعد انعقاد الاجتماع، لكنه مع ذلك لم يحصل على الفيزا إلا بعد يوم من موعد السفر المقرر، وبالتالي لم يستطع المشاركة.
ومن الواضح أنه عندما تتكرر معاناة العلماء الأجانب بمثل هذه المشاكل، فإنهم يفقدون الدافع إلى التعاون مع نظرائهم الأميركيين.هكذا ترتد الحرب على الإرهاب بشكل غير مباشر، على الولايات المتحدة وسمعتها كدولة عظمى، جراء المبالغة في الإجراءات الأمنية.
أما الأضرار الاقتصادية المباشرة، فتتمثل أكثر ما تتمثل في العجز الخرافي المتعاظم في الميزانية العامة الاتحادية، حيث بلغ حتى الآن نحو 7,1 تريليون دولار (1700 مليار)، وهو رقم قابل للزيادة بمتوالية هندسية، كلما طال أمد الحرب الأميركية الدائرة في أفغانستان وشمال غرب باكستان.
إزاء هذه المشكلة، يجد أوباما نفسه في مأزق.فمن أجل وقف تصاعد العجز والسيطرة عليه، فإنه تبنى لإدارته سياسة تقضي بتقليص الإنفاق الحكومي في الداخل، لكنه في الوقت نفسه يعد جماهير الطبقة الوسطى بالتغلب على ظاهرة البطالة المتفشية، عن طريق تخصيص اعتمادات مالية لتمويل مشروعات من أجل خلق وظائف جديدة.
الأمر الذي يتعارض رأسياً مع سياسة خفض الإنفاق لغرض تحجيم العجز.وهنا يبرز تساؤل:إلا تسحب أميركا البساط من تحت أقدام المنظمات الإرهابية، لو أنها حاربت الفقر في البلدان النامية ـ الدافع الأساسي لالتحاق الشباب العاطل بهذه المنظمات ـ عن طريق توجيه مئات المليارات التي تنفق على الحروب، نحو مشروعات تنمويةً؟!
كاتب صحافي سوداني