عثروا على الصندوق الأسود للطائرة الإثيوبية التي سقطت قبالة سواحل لبنان، لكن هذا البلد مليء بكثير من الصناديق التي تحمل خفة الموقف والمعنى كما تحتمل قتامة اللون ونعت الريبة.
هذه المرة بدت نقطة الارتكاز الأكثر توترا تخرج من صندوق الطائفة المارونية، وبتلاسن جعل من احتفالية القديس مار مارون مزادا لبيع الاستقرار الهش أصلا من خلال الضخ في أوداج الخلاف بين أحزاب تمثل زعماؤها بماضيهم، الذي يلقي غلالة على خلافاتهم الحاضرة مع تغيير في المواقع وكل يؤدي رقصته الخاصة.
بعيدا عن التمطى في تعميق الخلاف وتضخيمه نظرا لطبيعة الحياة السياسية، التي توافق عليها طائفيو لبنان فان استدراك سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية عن «أن التموضع المسيحي القائم ليس كارثة كما يصوره البعض» يصلح متكئا لتحديد ماهية الاستشكال في إطار البيت الماروني الباحث عن مكانه بروح قلقة تأخذ من الماضي وترتبك من المستقبل.
للمرة المليون تبرز العلاقة مع العاصمة دمشق مدارا للسجال والملاعنة، وان انحصرت هذه المرة بين المسيحيين الذين انقسموا جغرافيا في احتفالاتهم بمار مارون إلى فريق احتفى بالمناسبة في حلب السورية بزعامة العماد عون، في حين تمترس الآخرون حول البطريرك نصر الله صفير، صاحب الدور المحوري في الحدث والمندمج بكليته مع فريق جعجع وبموقف هو إلى السياسة اقرب منه إلى الطائفة.
وموقفه المعلن لخصه بأنه لم يتغير في سوريا شيء «لأزورها ونحن جاران، ولكن بين أن تكون هناك علاقات رسمية وبين أن تتحول الزيارات لدعم مصالح دمشق في لبنان فارق كبير جدا، فنحن لن نزور سوريا إلا وطائفتنا معنا»، لكن طائفة من «الطائفة» ذهبت إلى الجارة الكبرى ضاربة عرض الحائط بكلام صفير، بل إن هذه الشخصية الروحية تعرضت لشديد نقد ممن فضلوا إحياء الذكرى في قاعة العرش بقلعة حلب.
فزعيم المردة سليمان فرنجية اعتبر أنه «من الطبيعي أن نكون موجودين في يوبيل الـ 1600 سنة على وفاة القديس مارون في المكان الذي ولد فيه، وكنا نتمنى لو كان صفير هنا على رأس المحتفلين، ولكن لغبطته حساباته الخاصة وهي تفوق قدرتنا في فهمها، والبعض يعتبر كون القديس مارون أصله سوري مشكلة، ولكن هذه هي الحقيقة وسنحاول تقديم طلب الجنسية الأميركية له لنرضي الآخرين»!!
الحدث يحتمل أن نضعه في خانة المناكفات حينا من الوقت، لكنه يشير إلى صراع زعامات في إطار السقف الماروني، وما لم تحسمه الانتخابات النيابية بات يبحث عن حسم ما في الداخل أو دمشق أو واشنطن، وقد يكون في تل أبيب.. ولم لا؟
