يكوّن الإنسان لنفسه بعض الطقوس والعادات والممارسات، لينسج منها شخصيته التي يعرّف نفسه بها، قبل أن يعرفه الناس من خلالها.والعادة تخلق الألفة حتى مع ما يمكن أن يكون سالبا.فقد تحولت مسألة ارتياد معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام، أقرب إلى الارتباط بالمولد، أو الحولية ـ كما نقول في السودان ـ لدى المريدين.ولا أظن أن هذا التشبيه متعسف.

فهناك مشاعر الترقب والتوتر والانتظار لمعرفة الجديد، وهل سيكون مختلفا ومجددا، يستحق عناء السفر؟ والخشية أن يكون مجرد تكرار أو حتى تدهور، قد تجبر الحال لو كانت سيئة، المرء على القول:ستكون هذه المرة الأخيرة.وبعيداً عن الجوانب الذاتية، فالمعرض مناسبة لسؤال:ماذا حدث للعرب؟ وذلك حسب الإقبال والإدبار، أو بالأصح الإعراض عن المعرض.

وهو سوق عكاظ حديثة، وإن قلت أعداد القادمين من بعيد أو خارج مصر هذه المرة، وهنا تبرز ضرورة تجديد الحديث عن الدور الثقافي المصري. ولكن رغم كل شيء، فالمعرض مناسبة جيدة للقاء أصدقاء وزملاء، ومعرفة أخبارهم، خاصة الذين توقفوا عن الكتابة، والحديث في أو عن الثقافة.

معرض هذا العام، يحمل الرقم 42، جاء خجولاً ومسكيناً، بسبب ذيول الأزمة المالية والفرحة الكروية.فبالنسبة للأزمة المالية، فهي ذات تأثيرات سالبة على جوانب كثيرة، أولها تراجع في صناعة الكتاب.وتعتبر صناعة الورق شديدة الحساسية، بمعنى أن أسعار الورق تتذبذب وترتفع سريعا.كذلك كل مدخلات الكتاب من أحبار وفرز ألوان ومواد تغليف وتجليد.

يقابل هذا الارتفاع في تكلفة الكتب، ضعف في القوة الشرائية.فالدخول فعلياً تناقصت، رغم الزيادات الظاهرية، لأنها تشتري سلعاً أقل بالمبلغ السابق نفسه.وكان من الطبيعي أن يقع الادخار والتوفير على سلع جعلتها ظروف الانهيار السياسي والتراجع الثقافي هامشية، وهي الكتب ووسائل الثقافة المختلفة.

فقد أصبح الصراع أو تحديد الأولويات، بين لقمة العيش أو شراء كتاب أو اسطوانة. وهذه وضعية مؤسفة وصل إليها الإنسان العربي، بعد عقود من التنمية الفاشلة التي عجزت حتى عن تلبية الحاجات الأولية، أي المادية البسيطة.أما السبب الثاني، فقد جاءت المباراة الختامية لكأس الأمم الإفريقية، في اليوم الرابع للمعرض.

وكان الناس مشغولين قبل المباراة، ثم ازدادوا انشغالا بالاحتفالات والفرح والتعليقات والاستقبالات.وكانت الصحف اليومية تخصص أحياناً سبع صفحات من العدد، وهذا بالتأكيد على حساب صفحات كان يمكن أن تكسبها أخبار المعرض.يضاف إلى أسباب قلة الإقبال وضعف الشراء، انشغال الطلاب بالامتحانات.

لذلك، تقرر تمديد فترة المعرض من العاشر إلى الثالث عشر من هذا الشهر.شهد هذا الموسم للمعرض وجود إدارة جديدة في الهيئة العامة للكتاب، بالذات الرئيس ونائبه.وكان واضحاً أنهم يريدون وضع بصماتهم في التنظيم والتجديد.

وبالفعل غاب الصخب والضجيج هذه المرة، فقد منع الباعة المتجولون داخل المعرض، وان كانوا قد سدوا المنافذ بألعاب الأطفال والأدوات ذات الأصوات.كما منع الطعام وخصصت له كافتيريات محترمة، بعد أن كانت روائح الشواء والفشار تخنق المكان. ومن ناحية أخرى صرح د.صابر عرب، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للكتاب، بأن الهيئة اهتمت بالارتقاء بمستوى الخدمات التي تقدم للناشرين ورواد المعرض.

ومن بين هذه الإجراءات تسهيل الدخول للجمهور، وتقليل تعقيد إجراءات وصول الكتب إلى المعرض.وكان الناشرون والعارضون يشكون في السنوات السابقة من الروتين والإجراءات البيروقراطية.وفي المرات السابقة، تأخر بعض الكتب كثيراً وكاد العرض يفوتها، ولكن هذه المرة لا توجد شكوى في هذا الجانب، ولكن الشكوى هذه المرة من التزوير أو القرصنة.

وقد شارك في هذه الدورة 800 ناشر من 31 دولة، بزيادة 35 عن المرة الماضية. ولكن لم تزد العناوين الجديدة الجيدة والمثيرة للاهتمام.هل في هذا انعكاس للواقع العربي الذي يخلو أيضاً من الجديد والمتقدم؟ وكانت روسيا ضيف الشرف لهذا العام، وتزامنت المناسبة مع مرمر 50 عاماً على بناء السد العالي.

وفي هذه المناسبة، عاد المعرض بالكثيرين إلى أزمنة الأدب الروسي، حيث كانت ترجمات سامي الدروبي وغيره، لقصص وروايات دستويفسكي وشيخوف ومكسيم غوركي وغيرهم، من دار التقدم في موسكو ودار اليقظة العربية في دمشق، مصدراً لإلهام كثير من الأدباء.

وأصدرت الهيئة العامة للكتاب في هذه المناسبة، الأعمال الكاملة لشيخوف في 18 مجلداً بسعر معقول نسبياً.وقد كانت فرصة للتعرف على ماذا أنتج الروس من أدب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي «العظيم»؟ وكيف يبدو مجتمع ما بعد فشل النموذج الروسي للاشتراكية؟

كاد معرض هذا العام أن يحقق انجازه الأهم، وهو أن تمر المناسبة دون منع أو مصادرة كتاب.ولكن رواية ادريس على «الزعيم يحلق شعره»، أفسدت امكانية حدوث هذه السابقة، وان كانت الهيئة رفضت تهمة المصادرة من قبلها بحجة أنه تصرف أمني، إذ ألقت سلطات الأمن القبض على الشاعر جميلي شحاتة صاحب دار نشر «الوعد»، بسبب نشره الرواية، التي اختفت من أرفف المعرض.

وقد أدان اتحاد كتاب مصر، المصادرة، معتبراً أنها «إساءة لسمعة مصر» وتظهرها كأنها «بلد مصادرات».وقد غابت عن هذه الدورة النقاشات الساخنة، حيث كانت المحاضرات والندوات حول مواضيع باردة.

ولا أرجع الأمر إلى تضييق رسمي، ولكن أرجعه لسبب حزين ومفجع، وهو غياب أسماء عظيمة، كان أصحابها نجوم الدورات السابقة، وعلى رأسهم المفكر الملتزم والإنسان محمد السيد سعيد، رغم انه اختفى عن الدورات الأخيرة.

فقد غيّب الموت: محمد أمين العالم، عبد العظيم أنيس، محمد سيد أحمد، إبراهيم سعد الدين، عبد الوهاب المسيري، إسماعيل صبري عبدالله، محمد عودة، كامل زهيري، يوسف الشريف، سمير سرحان، يوسف شاهين، يوسف أبو ريّة، وغيرهم.والمشكلة ليست في الموت، ولكن في الإحلال، أي أن يملأ مكانهم جيل آخر.

وفي مناسبة الموت، فقد غاب عن هذا المعرض ناشرون مؤثرون في الحركة الثقافية: محمد الجندي صاحب دار الثقافة الجديدة، والتي آلت على نفسها نشر الثقافة الجديدة والتقدمية فعلا، والحاج مدبولي رمز العصامية والمثابرة والتعلم بالممارسة.

ظللنا نردد أن الجيل الجديد غير قارئ وغير مهتم بالثقافة، وهي مقولة ينطبق عليها القول:ألقاه مغلولاً إلى اليم وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء!فالسؤال:هل قدم له ما يستحق القراءة ويجره عن التلفزيون؟ فقد اندهشت حين رأيت التدافع في دار ميريت، وسألت ابنتي عن الأمر، فقالت لي أن هذه الدار تشجع الكتابات الشابة.

وبالفعل وجدت روايات قصيرة ساخرة لدرجة السواد، وذات عناوين شديدة الاستفزاز.وهنا تعود دعوة النظام التعليمي للاهتمام بالقراءة خارج المقرر، وعودة المكتبات المدرسية التي اختفت في البلدان العربية.

وفي النهاية، لا نريد أن ننكأ جراحات العرب بالرجوع إلى تقارير التنمية البشرية، التي تحدد نصيب كل مواطن عربي من الكتب أو الصفحات؛ ولا إسهاماته في الترجمة مقارنة ببقية العالم.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com