منذ ثلاثة أسابيع شهدت مدينة جوس، التي تقع بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي الإحيائي في نيجيريا، وتضم نحو نصف مليون نسمة، صراعاً طائفياً مقيتاً بين المسيحيين والمسلمين، راح ضحيته أكثر من 700 قتيل وجرح أكثر من ألف آخرين، وتسبب في نزوح نحو 50 ألف شخص، في ظل شح المياه والغذاء.

وكان السبب في تفجر العنف الطائفي هذا، هو بناء مسجد في حي نصراوا غون، وهو حي مسيحي في المدينة. وكانت نيجيريا التي نالت استقلالها عن بريطانيا في 1 أكتوبر عام 1960، تعتبر من أكبر الدول الإفريقية من حيث عدد السكان، ما يقارب 140 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 924 ألف كيلو متر مربع، شهدت اشتباكات طائفية في مدينة جوس عام 2001، وتكررت بعد ذلك في شهر نوفمبر عام 2008، وقتل فيها حوالي 600 شخص.

ففي هذا البلد ذي الأكثرية المسلمة، يتحرك بحر من المجموعات الإثنية الكبيرة التي تعتنق أديانا توحيدية ووثنية لا حد لها. ويتوزع السكان في نيجيريا وفق نسب تقارب 74% من المسلمين (ولاسيما في المناطق الشمالية) و14% من المسيحيين، و12% من أتباع الديانات الوثنية التقليدية.

وتتميز التركيبة الاثنية في نيجيريا بنوع من التعقيد، فالشمال مسلم تقطنه قبائل «الهوسا/ الفولاني»، والتي تمثل 31% من سكان نيجيريا. وينتمي مسلمو مناطق الشمال إلى الثقافة الإسلامية في الساحل الإفريقي الغربي، منذ بداية القرن التاسع عشر، وهم يعتمدون تقليديا قضاء شرعيا، ويعتمدون مركزا خاصا لطبقة أرستقراطية منبثقة من حملات الجهاد التي قامت في القرن الماضي. وهناك قبائل «اليوربا» التي خرجت بديانة خاصة بها، هي خليط من المسيحية والإسلام والطقوس الوثنية، وتمثل 30% وتقطن الجنوب الغربي ولاغوس.

فقبائل «اليوربا» تضم أكثر من ثلاثين مليون شخص، ومعروفة بأن غالبيتها من المسيحيين، ومعروف من جهة أخرى أن مسلمي المناطق الجنوبية الذين اعتنقوا الإسلام في عصر حديث، وفي أيام السلم، هم أقل تمسكا بالتميز الإسلامي من مسلمي المناطق الشمالية. و«الايبو» وتمثل 17% وتقطن الجنوب الشرقي، وسبق أن حاولت هذه القبائل الاستقلال ما بين 1967-1970، مما فجر حربا أهلية عرفت بحرب بيافرا التي قادها الجنرال المتمرد «أوجو كيو» وأودت بحياة ما بين 600 ألف ومليون شخص.

ومنذ الاستقلال، سيطر أبناء الشمال على السلطة في نيجيريا، واستخدموا هيمنتهم على المؤسسة العسكرية في تكريس هذه السيطرة. أما الدولة النيجيرية فهي من طبيعة فيدرالية، ويحكمها نظام رئاسي قائم على ثنائية التمثيل، أي يقضي بوجود مجلسين لتمثيل الشعب: البرلمان ومجلس الشيوخ.

وتتكون الدولة الفيدرالية النيجيرية من 30 ولاية و587 من الاقضية، أي الإدارات المحلية. وكانت الجمهورية الأولى التي ترأسها زعيم الشمال «تافوا باعليو» من 1960 إلى 1966، تعاني من عدم توفر الكادر وعدم الاستقرار السياسي والإداري، فيما كانت حالة الاتحاد الفيدرالي تترسخ وسط الخصومات القبلية، الأمر الذي جعل العسكر يتطلع إلى السلطة بشهية لا تقاوم، فهو القوة الوحيدة المنظمة في البلاد، إلى جانب كونه يمثل النواة الأساسية للانصهار الاجتماعي.

إن نيجيريا بلد مسلم، يعمل على حماية هويته الإسلامية ضد كل محاولات التشويه والتغريب، ذلك أن عدد المسلمين في نيجيريا يقدر بأكثر من 100 مليون نسمة، أي ما مجموعه 80% من سكان البلاد، مما يجعلها رابع أكبر تجمع إسلامي في العالم (بعد أندونيسيا وباكستان وبنغلاديش على التوالي)، واكبر دولة مسلمة في القارة الإفريقية.

وقد نبغ علماء الإسلام في نيجيريا في نشر الوعي الديني الصحيح بين جميع المسلمين، حيث اعتنقت قبائل الهوسا الإسلام منذ القرن السابع الهجري، واستطاعت هذه القبائل أن تؤسس سبع إمارات إسلامية، تولت مهمة توسيع رقعة الخصوبة الإسلامية في غرب إفريقيا. كما قامت قبائل «اليوربا» بنشر الإسلام والتعريف الجيد بحقائق الإسلام، حتى أصبحت مدن نيجيريا من أهم مراكز التعريف بالإسلام ونشر هداياته في غرب القارة.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org