حالة من الصراع النفسي تستعر في أكثر من مكان في العالم. إسرائيل تصعّد من تهديداتها ضد كل من ترصد فيه خطرا على كيانها، والأطراف المعنية ترد بحزم وثبات. الولايات المتحدة الأميركية تستخدم نفس اللغة الصارمة أثناء تعاطيها مع ملف الإرهاب وتفرعاته، والقوى المعنية بهذا الصراع ترد بحزم وثبات.
وفي مكان آخر من هذا العالم، أعلنت روسيا مؤخرا عن المصادقة على وثيقة أمنية جديدة تسمح لها باستخدام القوة النووية بشكل استباقي وردعي، في حالة الدفاع عن النفس. أما الأهم في ما أوضحته موسكو في هذا السياق، فهو أن مصدر قلقها ينبع من حلف الناتو، الذي يتمدد تدريجيا بشكل غير مسبوق في اتجاه الشرق، وبات يهدد مصالحها الاستراتيجية.
في كافة الحالات المذكورة، يلعب العامل النفسي دورا رئيسيا في إدارة تفاصيل الصراع القائم، حيث يعتمد عليه الطرف المهدِّد، الذي يظن أنه أقوى، لإثارة الرعب لدى عدوه. وهو يعتمد في ذلك على جملة من الأمور التي تؤهّله للعب هذا الدور، لكن يبقى أبرزها: حالة التضامن الشاملة في مجتمعه الذاتي، وقدرته على التأثير في محيط علاقاته الأوسع، وهما عنصران هامان جدا يسمحان له بالتمتّع بالقوة المطلوبة أثناء مخاطبته لعدوّه المحتمل، وباللغة التي يراها مناسبة.
وإذا تعاملنا مع بؤر الصراع المذكورة أعلاه انطلاقا من هذا المنطق، تبرز أمامنا في ما يخص منطقتنا، سلسلة من الإشكاليات التي ترسم صورة واضحة عن ميزان القوى القائم، بشقّه النفسي لا العسكري طبعا. ولا شك أن «التوتر» الإعلامي الذي تابعنا فصوله مؤخرا بين إسرائيل وسوريا، قد شكّل علامة مميّزة في تاريخ العلاقات بين البلدين، وعكس لنا مرة أخرى مجموعة من الاستفسارات التي يتداولها الرأي العام بخصوص الميزان آنف الذكر، وقدرة هذا الطرف أو ذاك على خوض المواجهة الحقيقية إن حصلت.
فإذا قارنّا جبهتي المواجهة انطلاقا من هذه الحقائق، تنبلج أمامنا سلسلة من الحقائق المرعبة، على الشكل التالي:
إسرائيل تبدو في مناخها الداخلي قوية ومتماسكة كما كانت دائما، بغض النظر عن بعض النتوءات المعارضة للحرب، والتي تبرز بين الفينة والأخرى، ومعظمها عربي الهوى أو شيوعي الملمس. وهي لا تزال قوية وصلبة في علاقاتها الدولية، وقادرة على استثمارها بالشكل المطلوب عندما يكون ذلك ضروريا.
ماذا نرى مقابل ذلك على الجبهة الأخرى؟ سوريا التي انخرط وزير خارجيتها أخيرا في خوض لعبة عض الأصابع مع الدولة العبرية، لا تزال غير متماسكة تماما في جبهتيها الداخلية أو الإقليمية. فهناك كثير من المنتقدين لسياستها، إن لم أقل الأعداء، الذين يلفّونها من لبنان غربا إلى العراق شرقا، وانتهاء بالجبهة العربية الواسعة. ولن أتحدث عن ساحة العلاقات الدولية، لأن موقع سوريا الضعيف في هذه الساحة معروف بشكل عام ولا حاجة للتوسع فيه كثيرا.
تضاف إلى ذلك حتما عناصر الخلل القائمة على الساحة الداخلية، والتي تؤثر في مجموعها بشكل واضح في ميزان القوى، أقلّه على الصعيد النفسي.
المقاومة اللبنانية ورأس حربتها حزب الله، الغريم الأقوى لإسرائيل في الوقت الحاضر، لا يبدوان في هذا السياق أفضل كثيرا من الحليفة سوريا، وإن كانا أصلب في بعض جوانب المواجهة.
فعلى الصعيد الداخلي لم يتمكن حزب الله حتى اليوم من نشر الطمأنينة في نفوس جزء مهم من اللبنانيين، ولا أقول جميعهم، حيث لا تزال هناك قوى ممّن تصنّفه كمصدر للخطر على سلامة الوطن، رغم التضحيات الجسام والصادقة التي قدّمها من أجل هذا الوطن. وبالرغم من أن الحزب قد تمكّن من تحقيق التفاف رسمي وحزبي وشعبي واسع حول مقاومته، إلا أن إصرار بعض القوى اللبنانية على ممارسة سياسة العداء الواضح له، إنما يساهم في إحداث شرخ في هالته المعنوية الكبيرة.
وإذا أخذنا العنصر الثالث الذي من المحتمل أن يكون أحد أبرز ركائز المواجهة المقبلة مع إسرائيل، أي إيران، فإننا نتلمّس سلسلة من النواقص التي قد لا تلعب لصالحها في أية مواجهة مقبلة.
وبالرغم من أن إيران أثبتت حتى الآن قدرة واضحة على خوض الحرب النفسية، وتحقيق ميزان الرعب عندما يكون ذلك مطلوبا، إلا أنها وكغيرها من دول المواجهة، أظهرت في نفس الوقت مجموعة من عناصر الضعف التي أختصرها على الشكل التالي:
* ضعف جبهتها الداخلية التي لم تعد ملتفّة بنفس الشكل المتين حول قيادتها الحالية، وهو ما شهدناه خلال المعركة الانتخابية الرئاسية الأخيرة وما بعدها.
* مجموعة المشاكل التي تعاني منها في سياق علاقاتها الإقليمية، لا سيما مع دول الجوار الخليجية أو غيرها. ولا أدري لماذا تصر إيران على تبنّي بعض المواقف المتشددة، بدلا من أن تلجأ إلى سياسة هجومية إيجابية، تثبت من خلالها أنها لا تريد لجيرانها سوى الخير والمحبة.
وفي هذا السياق قد يكون مفيدا أن تقرن إيران هذه السياسة بمجموعة من الخطوات الملموسة، مثل العمل بإخلاص على إنهاء ملف خلافاتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وإقناع دول مجلس التعاون الخليجي بجدوى برنامجها النووي السلمي، باعتباره هدفا حضاريا ستستفيد منه شعوب المنطقة بأكملها.
لا يختلف اثنان في العالم على أن الوضع في منطقة الشرق الأوسط مرشح للانفجار في أية لحظة، دون أن يعني ذلك بالطبع المساس كلّيا بقواعد اللعبة القائمة منذ العام 1973. وهذا أمر واضح ومثبت بالأدلة والقرائن، ولن تغيّر من ذلك تصريحات وزراء الخارجية في البلدين المتواجهين، والهادفة لإرضاء الرأي العام كما قال أحدهم.
المهم أن تعي الأطراف التي نحرص عليها، مواقع ضعفها ومكامن الخلل القائمة لكي تعد نفسها جيدا.
فمن يدري.. لربما كانت المواجهة الحقيقية والشاملة آتية حتما!
كاتب لبناني
