تكاد تمر سبع سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق. لم تقم سلطة الاحتلال والحكومات المحلية المتعاقبة بأية خطوة حقيقية في اتجاه المصالحة الوطنية الشاملة. على النقيض من ذلك، توالت إجراءات الفصل والعزل والإقصاء ضد الكتل السياسية والعقائدية المختلفة.

هذه تتزاحم على كراسي الحكم في اتجاه الوصول إلى رأس هرم السلطة. الانتخابات الأولى بذاتها رسخت أفكار تقسيم الشعب والوطن العراقيين، على أسس مذهبية وعرقية ودينية، ونتيجة لتلك التقسيمات الطارئة، استمرت حالة الشحن والتحريض ضد الفئات المختلفة.

الطيف الاجتماعي والسياسي العراقي الآن يعج بخطوط التماس الملتهبة، مثل خطوط البرق خلال الغيوم السوداء المتلبدة في السماء. هنالك فئات متصارعة داخلياً، وفيما بين بعضها البعض، وحول أي شيء طارئ، مهما كان عادياً أو ساذجاً. بات هنالك اتجاه معاكس بين المرء وظله.

وضعٌ كهذا يصلح أرضية لصراع خفي ومعلن، قابل للتحول إلى مواجهات مكشوفة تسمى في العرف الدولي والإقليمي والمحلي بـ «الحرب الأهلية». في عراق ما بعد الاحتلال، النسيج الاجتماعي الوطني العراقي هش وممزّق، وهو قابل للتوظيف السيئ فيه من أية جهة خارجية أو داخلية أو سلطة حاكمة. في الناحية الأخيرة تسيطر الجماعات العقائدية والحزبية، التي لا مجال معها لتقديم الحلول الوسط في اتجاه السلام والتفاهم والانسجام.

وصلت الأمور إلى مرحلة غايةً في التصعيد، بالإعلان عن إقصاء أو استثناء واستبعاد شخصيات وكتل سياسية مهمة، من برنامج الانتخابات العامة. هذه الفئات متهمة (!) بالتورط في أعمال القتل والتحريض وإشاعة الفوضى، في محاولة منها لإفشال العملية السياسية. ذلك بالرغم من ضخامة وجود تلك الفئات والشخصيات، في المشهد السياسي والواقع الاجتماعي العراقيين.

العملية السياسية من الأساس وُلدت هشة مترنحة، تتبع أضعف الأسس والأساليب في معالجة الأمور، خاصة الحساسة والحاسمة.

اعتماد المحاصصة الطائفية معياراً أساسياً في المنهجية السياسية، ولّد حالة من الصراع مع النفس والغير، بسببها انتقل العراق بشكل فجائي ودون إعداد أو تحضير، من مرحلة الدكتاتورية المركزية العمودية، إلى مرحلة الدكتاتوريات اللامركزية الأفقية. انتشرت سلطات حكم الإقطاع المذهبي والسياسي والعرقي، بشكل عميق وواسع ممتد. هنالك تشابك وتناحر بين هذه الفئة وتلك، لن يخبو أو يضمحل في النهاية. لا بل الوضع قابل للتصعيد، وإلى أجل غير مسمى قد يستمر عقوداً من السنين.

قُبيل الانتخابات، هنالك حالة من الشحن الجماهيري التعبوي، المعتمدة على التحريض والتقسيم والانقسام والتعصب وإنكار حقوق الآخرين. بذلك باتت الانتخابات العراقية المقبلة في غضون شهر تقريباً، مثل الإسهام في تكوين فتيل حرب أهلية. الفتيل مربوط بقنبلة شعبية كبيرة قابلة للتفجير، أثناء الانتخابات وخلال فرز الأصوات وحتى ما بعد ظهور النتائج.

هذه أمور لن ينفع معها تواجد لجان فنية دولية للمراقبة، أو قوات أمن ضخمة من شرطة وجيش بشكل مكثف، أو برامج إعلامية خجولة من هنا وهناك. برامج إعلامية تدعو إلى الاحتكام للعقل والمنطق وترجيح كفة المصلحة الوطنية العامة. في ظل ظروف التشكيك والطعن في المصداقية، لن يقتنع طرف خاسر بخسارته، بروح رياضية. ولن يقتنع طرف لم يحصل على نتائج عالية حسب توقعاته وخياله «الخصيب» في التكهنات. سيطعن الجل في نزاهة الانتخابات وحيادية نتائجها.

حقيقة، إجراء الانتخابات في مثل هذه الظروف، ليس في حد ذاته غاية ولا وسيلة لإعطاء الناخب فرصة لاختيار من يمثله. هذه العملية تحتاج إلى التأسيس الحقيقي لأرضية رصينة وخطوات عملية مقبولة ناضجة. نتيجةً لذلك تصبح الانتخابات جزءاً من عملية ديمقراطية حقيقية كاملة متكاملة. وبذلك تكون الانتخابات ضرورية ومهمة، مثل ضرورة وأهمية شرب الماء لكائن حي ظمآن.

هنا يجب تقديم الماء النقي لذلك المخلوق، وليس الماء الملوث، عدا عن ماء مفخّخ مدسوس به السم القاتل. الجهود والأموال المصروفة لكسب الانتخابات في العراق، كان بالإمكان صرفها في اتجاه إحلال المصالحة الوطنية الحقيقية. مصالحة وطنية تتخطى جروح الماضي وتداعيات الحاضر، وهواجس ومخاوف المستقبل. العراقي الآن يحمل في عقله الباطني «أطناناً» من الشجون والمآسي والويلات والمخاوف على مستقبله.

محاولة السلطة المركزية خلق عدواً مشتركاً للأحزاب الحاكمة يتمثل في بقايا النظام السابق، تبوء بالفشل يوماً بعد يوم. الصراع الخفي بين القوى الحاكمة السابقة والحالية، يبلغ مرحلة الحسم باستخدام كافة الأسلحة المتوفرة. ما كان في السابق في حكم القابل للاجتثاث بسهولة وبالضرورة، بات اليوم جزءاً مطلوباً بإلحاح من أطياف واسعة في الشعب العراقي. هذه وتلك، وما خفي أعظم، تؤدي في النهاية إلى التصعيد المفتوح على كافة الاحتمالات، وخاصة حين يكون من الصعب اللجوء إلى تحكيم العقل والمنطق وتغليب المصلحة الوطنية المشتركة العامة.

ولذلك ففتيل الحرب الأهلية موجود، وعلى السياسيين والمسؤولين محاولة نزعه، ولو قُبيل فوات الأوان!

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae