دعنا نخوض في مسألة السلوك الغبي، لماذا يحصل الليبراليون والديمقراطيون الأميركيون على فرصة ثانية وثالثة، من وسائل الإعلام والرأي العام، بعكس نظرائهم من المحافظين والجمهوريين الذين لا يحصلون على أي فرص؟ يمكن رؤية ذلك جليا الآن، في رد الفعل القومي على زلة اللسان العنصرية لزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي هاري ريد. ولو قارنا ذلك برد الفعل لما حدث لترينت لوت عام 2002، لتملكنا العجب!
فقد أجبرت ضغوط وسائل الإعلام والضغوط العامة، السيناتور لوت على الاستقالة من منصبه كزعيم للأقلية في مجلس الشيوخ، بعدما شطح في كلامه كثيرا في حفل عيد ميلاد خاص بستروم ثيرموند. وفي كلمة التكريم، بالغ لوت في امتداح ترشيح السناتور المعمر ديكسيكرات نفسه للرئاسة الأميركية عام 1948، على الرغم من حقيقة استناد حملة ذلك المرشح على الترويج للفصل العنصري.
ولو قارنا ذلك بما حدث لريد، الذي أبدى ملاحظة في عام 2008، لم ينكرها، بأن باراك أوباما، الذي كان مرشحا رئاسيا في ذلك الوقت، قد يفوز بالسباق الرئاسي بسبب بشرته الفاتحة، ولأنه لا يتحدث بلكنة الزنوج، إلا إذا رغب في ذلك.
وعلى الفور، شدد معظم المنتمين للمؤسسة الديمقراطية الأميركية ووسائل الإعلام، والذين لاحقوا لوت في السابق، على أن مصداقية ريد الليبرالية تعفيه من الاستقالة.
وحتى أوباما نفسه طلب في عام 2002 من لوت التنحي عن منصبه. ومن خلال عكسه للمعايير المزدوجة، لم يطلب الرئيس الأميركي من ريد التنحي، لأن ذلك السيناتور، على حد قوله، زعيم ل»مسائل تتعلق بالعدالة الاجتماعية».
أما نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، فقد وصف أوباما ذات مرة عندما كان مرشحا رئاسيا، بأنه «أول أميركي من أصل إفريقي ينتمي للتيار الفكري السائد، يستطيع التكلم بوضوح، وأنه شخص لامع ونظيف ووسيم».
ترى ما الذي عناه بايدن بكلمة «نظيف»؟ لم تهتم الصحف بتحليل ذلك بصورة عميقة، وعوضا عن ذلك يبدو أنها اعتقدت أن العجوز الطيب جو بايدن ارتكب زلة لسان، ولم يقصد شيئا.
وكان حيز المناورة هذا مناقضا تماما للغضب الشعبي الذي قادته وسائل الإعلام عام 2006، بعدما أشار مرشح مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا جورج ألين، بغباء منقطع النظير، إلى أحد المتطوعين في الحملة المعارضة ووصفه ب»مكاكا أو أيا كان اسمه».
وفي عام 2005، تصاعد الغضب الشعبي بصورة خاصة، عندما اكتُشف أن كاتب افتتاحيات الصحف آرمسترونغ وليامز، وافق على تقاضي مبلغ 240 ألف دولار مقابل الترويج لشعار إدارة بوش السابقة «لا يترك شيئا خلف القانون»، في الوقت الذي تظاهر بأنه معلق عام غير مبال بالإدارة. وقد دفع ذلك شبكة «تريبيون ميديا سيرفسز» إلى التخلص منه بطريقة لائقة، واضطرت الحكومة الأميركية لإلغاء تعاقده.
لكن وسيلة الإعلام نفسها اضطرت للبقاء صامتة تماما، عندما تم الكشف عن أن البروفسور جوناثان غروبر، الذي يعمل في معهد ماساتشوستش للتكنولوجيا، تلقى 400 ألف دولار من الأموال الحكومية، مقابل المشاركة في تعديل قانون الرعاية الصحية لأوباما.
وحتما هناك تضارب في المصالح لدى غروبر كي يعرض نفسه على الصحف كخبير أكاديمي في الرعاية الصحية، بينما يظل صامتا بشأن الأموال التي حصل عليها مقابل تتبعه لخط أوباما. ولشهور عدة في عام 2008، لم تتحدث عن شؤون المرشح الرئاسي الليبرالي جون إدواردز، وابنه غير الشرعي المزعوم، سوى مجلة «ناشيونال إنكوايرر».
وعلى النقيض من ذلك، أمضت وسيلة الإعلام الرئيسية هذه وقتا كبيرا في التحدث عن المشكلات النفسية لابنة المرشحة الرئاسية الجمهورية سارة بيلين، وصديقها المستهتر.
وبصورة عامة نضحك بيننا وبين أنفسنا على زلات اللسان التي ارتكبها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، والذي اعتاد اختصار نهايات الكلمات. ولكن من يهتم بأن الرئيس أوباما البليغ اللسان، اعتقد على ما يبدو أن النمساويين يتحدثون اللغة النمساوية وليس الألمانية؟
لماذا يكون رد فعل وسائل الإعلام غير متكافئ على زلات اللسان النوعية والسلوك السيئ الذي يرتكبه الساسة الليبراليون والمحافظون؟ والجواب ليس التفسير المعتاد، الذي يبدي فيه معظم وسائل الإعلام تعاطفا مع الديمقراطيين.
لذلك يتعرض مستقبل مسؤول سياسي تقدمي جذاب ومفوه، للدمار بسبب زلة لسان لحظية بينما تكون أهدافه نبيلة، بعكس ما يحدث لنظيره المحافظ! ومع ذلك، إذا كان كل ذلك صحيحا، لماذا نرى الليبراليين قادرين على إثبات أنهم متبلدو الشعور، وغير واعين بصورة تضاهي نظراءهم المحافظين؟!
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد