أطلقت منذ فترة دعوة لعقد قمة عربية ثقافية، أسوةً بالقمم التي تعقد في المجالات الأخرى، كالسياسة والأمن والاقتصاد.
وكان الأمير خالد الفيصل، رئيس مؤسسة الفكر العربي، أول من آثار الفكرة، فاستجاب لها الأمين العام للجامعة العربية الأستاذ عمرو موسى، الذي دعا إلى عقد لقاء في مقر الجامعة في القاهرة للتداول في المسألة. حضر الاجتماع، بالإضافة إلى صاحب المبادرة، مثقفون ورؤساء هيئات ثقافية مصريون وعرب.
وبصرف النظر عما إذا كان المؤتمر سوف ينعقد، وعن نتائجه فيما لو انعقد، فإن الدعوة لها فوائدها، إذ هي تطرح على طاولة التشريح قضية الثقافة العربية: وضعيتها وموقعها وفاعليتها، بقدر ما تطرح دور المثقفين وأثرهم في صناعة المجتمعات العربية.
لا جدال أن الثقافة لها دورها الكبير، وربما الأول، في مصائر الأمم، كونها تتعلق بإنتاج كل ما به يصنع البشر حياتهم ويشكلون عالمهم، من اللغات والرموز أو القيَم والمعايير أو الأفكار والمفاهيم... فالإنسان إنما هو كائن ميزته أنه ذو فكر وأنه منتج للمعنى. من هنا لا مجال لتغيير الأوضاع، في العالم العربي، من دون تغيير يطال عدة التفكير وأبنية الثقافة.
وما أراه في هذا الخصوص أن هناك بعض الأفكار، التي لا تزال تتحكم في العقول يحسن التخلي عنها، لأنها استهلكت وسقطت وما عادت تصلح لتشخيص واقع أو تصدٍّ لمشكلة أو تحقيق تقدم أو صنع تنمية.
الأولى؛ هي مقولة إن الثقافة تشكّل الجدار المنيع في الدفاع عن الوجود والحقوق والمصالح، في مواجهة التحديات. ولو كانت الثقافة هي خط الدفاع الأخير أو الحصن الحصين، كما يصفون، لما كانت الأوضاع في العالم العربي على ما هي عليه من الضعف والتخلف أو التردي والتفكك.
إن الثقافة هي، كأي شيء آخر، سيف ذو حدين: قد تستخدم إيجاباً أو سلباً، وذلك بحسب توجهها وبنيتها ونمطها. ولننظر ماذا فعلت الثقافة بمنظوماتها الأيديولوجية وجدرانها الحديدية في الاتحاد السوفيتي: انهيار امبراطورية أُقيمت باسم الاشتراكية، مع أنها كانت تملك ترسانة نووية. وإذا كانت روسيا عاودت نهوضها واستعادت بعض قوتها، فبسبب نجاحها في النمو الاقتصادي.
وهذا ما فعلته عندنا الثقافة الأيديولوجية بنماذجها النضالية والتحررية، القومية واليسارية: ترجمة شعارات الوحدة والاشتراكية والحرية والتقدم بأضدادها. أما على الجبهة الدينية فالوضع ليس أحسن، بل هو أسوأ، بعد صعود الأصوليات الجهادية، بمعتقدها الاصطفائي وفكرها الاستئصالي ونماذجها البائدة وفتاواها المضحكة، وكلها آفات تسهم في تأجيج الصراعات وتلغيم المجتمعات وتشويه سمعة العرب في العالم.
وهكذا فالثقافة ليست واحدة. هناك ثقافة مغلقة، متحجرة، فائتة، إقصائية، عدوانية. وهذه لا تحقق سبقاً ولا تحسّن وضعاً أو تصنع ازدهاراً؛ بالعكس هي مصدر بؤس وفقر وتخلّف، بقدر ما تخنق الحيوية وتشلّ الطاقة على الخلق والابتكار.
وفي المقابل هناك ثقافة حية، منفتحة، خلاقة، بناءة، مثمرة، راهنة، لا ينشغل أهلها بالدفاع عن الثوابت ولا بإقامة جدران عازلة حول النفس، بل تفتح الفرص والأبواب لتفتيق القدرات واجتراح الإمكانات، كما يتجلى ذلك في الاختراعات والإبداعات الخارقة لحدود الدول والمجتمعات. ولذا فهي تشكّل مصدر غنى وقوة.
الفكرة الثانية؛ هي مقاومة الغزو الثقافي الغربي. هذه المقولة لا تؤمّن حماية ولا تشكّل مواجهةً فعّالة، بل أصبحت هي المشكلة، بدليل أنه مضى علينا قرنان، منذ حملة نابليون إلى غزوة بوش، ونحن ندافع عن هويتنا الدينية أو القومية، فإذا النتيجة أن الأخ في الدين أو الشقيق في الوطن بات هو العدو، كما تشهد الحروب الأهلية في العالم العربي.
وهكذا فإن شعارات الدفاع عن الهوية وتعزيز ثوابت الأمة، قد أعطت مردودها العكسي: المزيد من الضعف والتبعية والغزو. ما نحتاج إليه هو أن نعكس الآية، بحيث نفكر بغزو العالم، ولكن ليس بالسيف أو المدفع، ولا بالتفجيرات الانتحارية، بل بإنتاج ما به ننمو ونتقدم ونشارك في صناعة الحياة المعاصرة: فكرة، نظرية، أداة، سلعة، منهج، نموذج، ماركة تكون في نظر الغير مفيدة أو قيمة أو مغرية.
الفكرة الثالثة التي يحسن التحرر منها؛ هي مقولة الجماهير العريضة، وذلك بالعمل على كسر ثنائية النخبة والجمهور ومثيلاتها الأخرى، مثل الزعيم والحشد أو المرشد والقطيع أو المخلص والشعب؛ فحيث سادت هذه الثنائيات كانت لها آثارها السيئة أو العقيمة أو المدمرة على المجتمعات العربية، عمى واستبداداً أو فقراً وفساداً.
والفكاك من هذه الثنائيات، التي أصبحت بمثابة كماشات خانقة، يعني أولاً تغيير النظرة إلى المجتمع، بحيث نكف عن التعامل معه بوصفه مجرد كتل أو حشود يسهل تضليلها، لتعبئتها وراء مشاريع تجهل أهدافها أو وراء شعارات مقدسة تمسي ضحاياها. المجدي هو التعامل مع المجتمع بوصفه جملة حقوله وقطاعاته المنتجة، أو قواه وطاقاته الحية والفعالة.
كما يعني من جهة ثانية تغيير النظرة إلى الفرد، بالكف عن النظر إليه كرقم في حشد أو كقاصر يحتاج إلى من يفكر عنه، للنظر إليه كشخص قادر على ممارسة حيويته الفكرية وتشغيل طاقته العقلية. آن لنا أن نتعامل مع الفرد بلغة جديدة وثقافة مختلفة، أي كمختص ومنتج، كوسيط وشريك، كمسؤول وفاعل، في حقل عمله أو في بيئته ومحيطه، أو في المجتمع والعالم.
وهذا يتطلب إعادة النظر في دور المثقفين، الذين فقدوا المصداقية في ممارسة الوصاية على شؤون الأمة والهوية والثقافة، فهم سعوا إلى تغيير واقع تغيّر دوماً بعكس ما أرادوا. وأما الجماهير التي يدافعون عن مصالحها، فإنها ترتد ضدهم على الدوام.
ليتواضع المثقفون. هناك أُناس منتجون أو مبدعون في القطاعات الأخرى، كالاقتصاد والأعمال والعمران والمصارف والإعلام، إنما يساهمون في صناعة الحياة العربية بلغة العصر وأدواته، أكثر مما يفعل مثقفون أو مفكرون يمارسون الوكالة الفكرية الفاشلة على المجتمعات، فيما هم لم ينجحوا في المهمة المُناطة بهم: تجديد العدة الفكرية ومرجعيات المعنى، إذ هم يستخدمون أدوات معرفية لم تعد تصلح لفهم العالم وحل مشكلاته.
وهذا هو مؤدى مجتمع المعرفة، إذا أردنا فتح المفهوم على ممكناته. إنه يعني جملة أمور تغير نظرتنا إلى العمل والمعرفة.
الأول؛ أنه لا عمل ينجح من دون معرفة، والثاني؛ أن الفرق بين فاعل وفاعل، ليس بين من يعرف ومن لا يعرف، بل بين أنماط من المعرفة: أكاديمية أو عمومية، نظرية أو عملية، مجردة أو ميدانية.
والثالث؛ أن التغيير يطال الأفكار بقدر ما يطال الممارسات الفكرية، بمعنى أن أعمال الإصلاح والبناء والإنماء، لا تتم بعقل نخبوي أو أكاديمي أو مركزي بيروقراطي، بل بالتداول والتبادل، في ما يخص المشكلات والخبرات، بين مختلف الفاعلين وفي جميع الحقول. فما دام الواحد يفكر ويعرف، فله دوره وقسطه في البناء، كما له صلته بالمعنى والقيمة أو السلطة والحقيقة.
كاتب ومفكر لبناني
