تابعت بكثير من الاهتمام، الجهود العلمية التي توجت بإصدار تقرير التنمية البشرية العربية، الذي صدر عن مؤسسة الفكر العربي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، برعاية مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وسبق أن اطلعت على تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في العام 2003 عن المعرفة في العالم العربي، وتقرير العام 2009 الذي جاء متناسقاً مع سابقه.
خصوصاً في ما يتعلق بقضايا جوهرية، من أهمها مفهوم المعرفة، وأسس قيام مجتمع المعرفة، وتداعيات الفقر المعرفي وانعكاساته على المجتمع.
وللاستفادة مما تناوله التقرير، نرى أهمية تشكيل لجنة صياغة للتوصيات التي تضمنها، لأنها تنسجم مع استراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
فبناء مجتمع المعرفة أصبح مطلباً حضارياً للارتقاء بنظام التعليم ومخرجاته في دولتنا الحبيبة التي تواكب كل تطورات ومتغيرات العصر، مما جعلها تتبوأ بإنجازاتها الكبيرة، مكانة مرموقة بين دول العالم.
لقد استطاعت المجتمعات الإنسانية عبر ملايين السنين أن تشق طريقها نحو التقدم، فمرت بمراحل حضارية عدة، بدءاً من مرحلة جمع الثمار والصيد والرعي والزراعة، حيث وظف الإنسان عقله ويديه للبقاء آمناً ومستقراً، مما مكنه في أزمنة لاحقة من بناء صروح الحضارة الإنسانية، مستفيداً من خبراته وتجاربه التراكمية وقد أفاض علماء التاريخ والانتربولوجيا، في تناول شتى مظاهر التطور الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية.
وعلى الرغم من تعدد وتباين وجهات نظر علماء الاجتماع في تعريف المجتمع، يمكننا القول إن المجتمع عبارة عن تجمع عدد من الأفراد أو الجماعات، في موقع جغرافي محدد تتوفر فيه مستلزمات الحياة، وتجمعهم أنماط ثقافة مشتركة وتاريخ مشترك..
وفي مراحل لاحقة من ظهور علم الاجتماع مع طلائع القرن الماضي، عكف عدد من العلماء على دراسة حركة التغير الاجتماعي، لمعرفة العوامل المسببة له وسرعته واتجاهاته، مما أدى إلى ظهور عدد من النظريات التي بحثت في قضايا التغير الاجتماعي.
وقد طالعنا قبل أعوام ألفن توفلر بإفادات جريئة في مؤلفه (صدمة المستقبل)، حيث أوضح أن حركة التغير الاجتماعي والثقافي تسارعت في العقود الثلاثة الماضية بمعدلات غير مسبوقة، أدت بدورها إلى إحداث تغيرات طالت منظومة القيم والعادات والتقاليد، وأوصل هذا التغير المتسارع المجتمعات الإنسانية إلى حقبة جديدة وبأسرع مما كان متوقعاً، ويعني بها حقبة «الانفجار المعرفي».
وللوصول إلى مجتمع المعرفة، على الرغم من أن العلماء والمهتمين بالدراسات المستقبلية لم يتفقوا حتى الآن على الأسس والمقومات التي ينهض بها، هناك خمسة مقومات يمكن اعتبارها ذات أهمية، تتمثل في:
ـ الارتقاء بخدمات التعليم بجميع أشكاله ومراحله.
ـ تبني الشفافية والحوكمة وإرساء حقوق الإنسان.
ـ تطوير مراكز البحث العلمي وتشجيع الالتحاق بالدراسات العليا.
ـ استقطاب ذوي الكفاءات والتخصصات النادرة للاستفادة من عطائهم.
ـ الاستعداد للمنافسة لبلوغ الجودة والتميز في المجالات كافة.
وإذا اعتبرنا أن الثقافة الكلية تشمل (ثروة معرفية)، فإن هذه الثروة تتزايد بتراكم رأس المال المعرفي المسؤول عن إنتاج معارف جديدة، من خلال الاستفادة القصوى من التعليم/ التعلم والبحث المتأني، للتشبع بالعطاء الفكري والأدبي والفني والجمالي..
وإنتاج معارف جديدة، أي الإسهام الفعال في إنتاج ونشر وحفظ المعرفة في مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وجميع أشكال النشاط المجتمعي، في سياق شراكة استراتيجية بين القطاع الحكومي (العام) والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.
ضمن هذا الفهم، يشير بعض التقارير إلى أن حظ مجتمع ما من اكتساب المعرفة ومدى توظيفها في خدمة قضايا التنمية المستدامة، يتوقف على حجم الاستثمار في البنى الثقافية والتعليمية والتربوية والتكنولوجية القائمة في المجتمع، فضلاً عن دور المؤسسات والهيئات المجتمعية ذات العلاقة.. هذا ما ننشده في مجتمعنا، بتكاتف الجهود وشد همم أبناء وبنات الإمارات، لتحقيق الأهداف المرجوة من أجل أبنائنا والأجيال القادمة.
كاتبة إماراتية