يبدو أن عصر سيطرة وزارات الإعلام والحكومات، بل وحتى أباطرة الإعلام، على وسائل الإعلام بكل أشكالها وأنواعها، قد ولى إلى غير رجعة.
هذا هو أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ الرسالة الالكترونية التي وصلتني من الصديق الإعلامي محمد سعيد محفوظ المقيم في بريطانيا، وهو يزف إلى جميع الأصدقاء خبر افتتاح قناته التلفزيونية على موقع YouTube، التي خصصها لإعادة بث أفلامه وأعماله التلفزيونية، متمنياً علينا الاشتراك فيها ومشاهدة ما سيبثه عليها أولاً بأول وكتابة تعليقاتنا.
محمد سعيد محفوظ كاتب وإعلامي ومخرج مصري، عُرِف كمعد ومقدم لبرنامج »مقص الرقيب« على تلفزيون أبوظبي خلال الفترة من ديسمبر 1999 وحتى سبتمبر 2001، كما قدم غيره من البرامج التي اهتمت بقضايا الحريات وحقوق الإنسان، وأخرج أفلاماً وثائقية ذات قالب رمزي، وهو يعيش في بريطانيا منذ عام 2006، حيث نال درجة الماجستير في مجال الفيلم الوثائقي.
ويدرس حالياً للحصول على درجة الدكتوراه في مجالي صناعة الأفلام والإعلام الحديث، إلى جانب عمله في هيئة الإذاعة البريطانية B.B.C، وقد مارس مختلف فنون العمل الصحافي، ونال العديد من الجوائز، كان آخرها من مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية.
أماYouTube فهو الموقع الأشهر الذي يعرفه جميع مستخدمي الشبكة العنكبوتية، والذي نادراً ما يمر يوم على أحد من مستخدمي الشبكة دون أن يقوم بزيارة أو أكثر لهذا الموقع، بغرض مشاهدة مادة لم تتح له مشاهدتها، أو استرجاع مادة سبق له أن شاهدها، أو الإبحار دون هدف محدد لاصطياد ما يصادفه من القديم والجديد الذي يضاف إليه كل يوم.
تقول بداية الحكاية، إنه لولا الصعوبات التي واجهت كلاً من »تشاد هيرلي« و»ستيف تشين«، في مشاركة ملفات الفيديو التي تم التقاطها في حفل العشاء الذي أقيم في منزل »تشن« في سان فرانسيسكو ولم يحضره صديقهما جاويد كريم، الذي ينكر الحكاية، لما وُلِدت فكرة YouTube والشركة التي تأسست على يد الأصدقاء الثلاثة، الذين كانوا من أوائل موظفي شركة PayPal في فبراير من عام 2005، لتغدو خلال أقل من عامين صيداً ثميناً لشركة Google التي اشترتها بمبلغ مقداره 65 .1 مليار دولار، في صفقة كانت مدار حديث العالم وقتها، وليتحول موقع YouTube خلال سنوات قليلة إلى المزود الرئيسي لملفات الفيديو على الانترنت، ليس في الولايات المتحدة وحدها.
وإنما في العالم الذي غير YouTube ثقافة الانترنت فيه، نظراً لسهولة واجهة الاستخدام التي جعلت من اليسير على أي شخص يستطيع استخدام جهاز الكمبيوتر، أن يرسل ملف فيديو بحيث يشاهده ملايين المستخدمين في دقائق معدودة.
سهولة التحميل هذه وسهولة الوصول إلى المواد المحملة على موقع YouTube، أوجدتا دون شك واقعاً جديداً تعرضت جرّاءه حقوق النشر والتأليف للانتهاك بالقدر نفسه الذي تعرضت فيه الخصوصية للتعدي.
كما أصبحت الرقابة على المواد التي تُحمَّل على الموقع من الصعوبة بمكان، لعدم القدرة على فحص جميع الملفات قبل تحميلها، خاصة في ما يتعلق بالدين والجنس وبعض الموضوعات المثيرة للخلاف والجدل، الأمر الذي جعل العديد من البلدان، مثل الصين وإيران والمغرب وتايلاند، تقوم بمنع الوصول إلى موقع YouTube منذ إنشائه، وتبعتها في ذلك دول أخرى، رغم اعتراف المسؤولين في هذه الدول بإمكانية اختراق الحجب، والوصول إلى الموقع باستخدام برنامج Proxy لفتح المواقع المحجوبة.
هذه المحاذير ربما يعتبرها البعض هي المغريات الأساسية لاستخدام هذه الوسيلة، لأنها تجنبهم مقصات الرقباء وحراس البوابات الذين انتهت صلاحيتهم في أغلب البلدان، بعد أن كانوا يقفون لكل شاردة وواردة بالمرصاد.
لذلك يحرص محمد سعيد محفوظ وزملاؤه من جيل الانترنت الباحثون عن الحرية، على بث أعمالهم عبر هذه الوسيلة لأنها أسرع وصولاً إلى جمهورهم من الراديو والتلفزيون والصحيفة. فقد صار الوقت الذي يقضيه كل فرد، خاصة من الفئات العمرية التي يستهدفونها، أطول بكثير من ذلك الذي يقضيه مع أسرته أو أصدقائه.
وصار ما يسمى بالواقع الافتراضي هو الحقيقة التي نعيشها، وصار بعضهم يتعجل العودة إلى منزله للاندفاع إلى الكمبيوتر وممارسة حياته الفعلية في فضاء الانترنت، وصار عدد كبير من مستخدمي تلك الشبكة السحرية يجدون فيها منفذاً للتعبير عن ميولهم وأفكارهم، التي قد لا يقبلها المجتمع أو تنفر منها ثقافة أفراده، ومن ثم فإن كل واحد منهم يقول ما يريد من دون الإشارة بالضرورة إلى اسمه أو شخصيته، أو باستخدام اسم مستعار.
ماذا لو لم يجد هؤلاء تلك النافذة ليتنفسوا من خلالها؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه محمد سعيد محفوظ في نهاية رسالته، ليلخِّص القضية كلها في الهروب من احتكار الحكومات وتحالفات مُلاّك الإمبراطوريات الإعلامية وسيطرة أصحاب المال على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بعد أن أصبحت الجرائد الالكترونية والمدونات وإذاعات وتلفزيونات الانترنت، شريكاً أساسياً في العملية الإعلامية والتأثير على فكر المواطن الذي لم يعد مواطناً محلياً، وإنما أصبح مواطناً عالمياً لا تمنعه الحدود الجغرافية من الوصول إلى أقصى نقطة في المعمورة عبر فضاء الانترنت الذي يتسع للجميع.
فهل نقول وداعاً لاحتكار وسائل الإعلام من قبل الحكومات وملوك المال؟ وهل يصبح شعار المرحلة المقبلة »قناة لكل مواطن« بدلاً من »رغيف لكل مواطن«، رغم أن كثيراً من البطون ما زالت خاوية، لكن العقول لا تخوى طالما أنها لا تكف عن التفكير والبحث عن وسائل ومنافذ للتعبير؟