طالما يشعر صاحب الحق أنه على يقين من أحقيته فإن ذلك يشكل عنصر حفز له ليصنع الموقف الذي يمهد له الطريق للوصول إلى حقه المسلوب، فشعوره بالأحقية يعطيه ثقة وشجاعة ليجهر بالمطالبة بحقه في وجه الغاصب مهما كانت سطوته وعدوانيته.

الشعب الفلسطيني بكامله يشعر بأنه صاحب حق ومن ثم فهو يتحمل كافة الصعاب ويواجه المآسي بصدر مفتوح وعزيمة لا تلين، يدفن شهداءه ويعود ليقاوم مستمداً تضحية الشهيد حافزاً جديداً للاستمرار في النضال والمقاومة، الشعوب العربية في دول المواجهة اعتادت على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم الصفوف لتوجيه (الضربات المرتدة).

وثمة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي شواهد على ذلك تفوق الحصر، بعضها معلوم والآخر لم يكشف عنه اللثام بعد، لكنه محتضن في صفحات التاريخ انتظاراً ليوم السطوع وإعطاء المثل والنموذج للمقاومين الجدد، فهناك بعد استراتيجي للعرب على الأرض مثلما أن لهم أيضاً بعداً استراتيجياً (نفسياً) لاستيعاب العدوان وامتصاصه واعادة انتاجه وبالاً على العدو.

إسرائيل اذا تكلمت فإنما تتكلم بدافع الخوف من المجهول من (الخطر الوجودي) انطلاقاً من عقد تاريخية أخطرها (قلعة ماسادا) وتداعياتها على الموروث الثقافي في اسرائيل ومن ثم الحالة النفسية للإسرائيليين الذين يشعرون أن (كل صيحة عليهم) حتى تصريحات قياداتهم تأتي مرتبكة ومفعمة بالمبالغة الغثة.

يتحدثون عن تدمير المدن العربية وتغيير النظم فيها كانهم يلعبون الشطرنج، وهذا ليس تفكيراً او تصريحات قادة يعرفون ما يريدون، إنما هو رد فعل عشوائي لحالة من الخوف المفاجئ على (الوجود الاسرائيلي) وقد سبق أن دمر الاسرائيليون مدنا عربية، لكنها قامت من الدمار لتبني نفسها من جديد، صاحب الحق لديه إمكانات المقاومة المستمرة في متوالية لا تنتهي، والخائف هو فقط من يشعر انه ليس صاحب حق.

حتى حين تكون المقاومة سياسية وليست عسكرية، فخطبة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الجمعية العامة للأم المتحدة كانت خطوة قوية في اتجاه قيام دولة فلسطين وخطب المفاوض الفلسطيني والسوري في مؤتمر مدريد ومفاوضات أوسلو كانت تبث الخوف في نفوس المفاوضين الاسرائيليين، ولا بد أن نتنياهو يتذكر حديث فاروق الشرع وهو يشير إلى رؤساء العصابات الاسرائيليين الذين تحولوا إلى رؤساء دولة ورؤساء حكومات في اسرائيل.

وكانت أوسلو خطوة أكبر في اتجاه الدولة الفلسطينية، سفر السادات للقدس وخطابه أمام الكنيست أسقط ذريعة الحرب، وكانت مهرباً لإسرائيل من حديث السلام الذي تخشاه.

والآن يعود الاسرائيليون إلى حديث الحرب للخلاص من (رعب السلام) حتى السلام يرونه خطرا عليهم، لأنه سيفجر تناقضاتهم الداخلية.

كذلك كان خطاب سلام فياض في مؤتمر هرتزليا على البحر الميت، قوياً وثابتاً وشجاعاً وواضحاً، لأنه ينطلق من عقلية على قناعة بأن الحق إلى جانبها، طرح الرؤية الفلسطينية لقيام الدولة في عقر دار العدو وعلى مسامعه ومسامع العالم بعناد وإصرار، حتى أن بعض المعلقين على الحدث اعتبر خطاب فياض بمثابة خطر على اسرائيل، رغم أن الرجل كان يتكلم باللسان، وليس بالسلاح، لكن الشعور بالخوف تستدعيه في النفوس المرتبكة مجرد الكلمات.

السوريون حين ردوا على ترهات ليبرمان قالوا إنهم سيردون بتدمير مدن وليس بتغيير نظام أو استبعاد اسر حاكمة، كانوا يتحدثون لغة المقاومة ضد العدوان وليس لغة من يهدد بنابع من شعوره بالخوف، فالأهم من الهجوم هو امتصاص الهجوم حتى يأتي بعده رد الفعل الحتمي، انطلاقاً من الثقة في الحق بالنصر النهائي.