هي عودة أخرى إلى هذا الجميل المسمى «مطر» والذي يسرح بك إذا تتالى إلى ما تتمنى على مد آفاق البصر، حضور له صباحات وأمسيات بلون خرافي لا شمس فيها ولا ضوء يزعج هذا الطقس المشبع بحديث الذكريات حد قصص الأساطير الموغلة في روايات الأقدمين، حول كنه الحياة مع القادم من سماء فسيح نراه ولا نكاد أن نبصره.

هي علوم تتماهى مع روح الغيوم، وهذه المناخات التي تقف عند تخوم القلوب منشدة ألحان الكون الفسيح، ممسكة برفق هذا الجمال الآسر بمطره وعليله الحلو الذي يتجلى كالبارد النسناس، عندما يهب على كثبان سارحة في البراري، ولها في القلوب تباشير مغموسة بالود والحب لكل الحاملين بين الحنايا عهد انتماء للساميات من المعاني، بكل ما تحمله من سخاء يشابه في صفته المثقلات من المزن المقبلات من بعيد ببشارة خير وقرب انفراج على المترقبين منذ زمن انبلاجة حق واقتراب أوان المطر.

بين الملهيات والمنغضات من سنن الحياة وبين هطول المطر حوار له شجون، مداراته ذلك الالتقاط لفسحة عن واحات تسكن إليها برهة من زمان نفوس الراغبين في تأمل متواضع لهذا الطقس، الذي لا يبالغ في مفرداته لكننا نعجز حين وصفه وسرده، ولكي تجدد من بعد هذه السانحة المسيرة في الدروب، وما بين زخة مطر وتفكر ليتنا نأخذ من هذا الطقس بعضاً من معاني القدوم والرحيل فلا بقاء لا لحزن ولا لفرح فسرعان ما تؤول حادثات الليالي إلى أقبية الذاكرة.

دفق مستمر من العطايا من فضاءات تبعث بألوان الحياة على منوال حبات تتساقط على الوجدان قبل الأرض، لؤلؤاً منضداً ناصعاً واضحاً في معانيه وتجلياته التي لا تعرف إلا الخير تزفه إلى الأحداق المشتاقة إلى رفد ماء السماء، راوية عطش رواة سفر الخواتيم الوجلة من الغفلة، والراحلة بين حنايا المكان بثبات الواثقين إلى ما يقبضون من يقين إذا ما ارتد ركب وادلهمت خطوب.

وعندما يحين أوان انسكاب المزن على ربوع الوطن قدراً مكتوباً في زمانه ومكانه عند من يقدر الأسباب ويجري السحاب المثقلات بالغيث بأمره سبحانه وتعالى، تتجلى روعة تدبير الخالق في أبهى المعاني وأجمل الصور، وهي في غير حاجة إلى رتوش من هنا وهناك، لكي تتجمل بل هي آيات إعجاز كما هي منذ الأزل.

لطف العطايا يهطل على الأرض مذكراً أهل الغفلة إلى الإنابة بلا انتظار لما هو أكبر من الملمات فقد تمادى الحال جفاءً وبعداً، وهذا الحضور جميل إن رافقه غور لسبر الدواخل إمعاناً في النظر لهذا المشهد قبل الرحيل القريب.

talib99@emirates.net.ae