بهذا المقال أختتم 7 سنوات من كتابة المقالات، ونصف قرن من العمل في المجال الصحافي، وأعتزم الآن الانهماك في مجال التأليف، وهناك كتاب في انتظاري.

بدءاً من اليوم الأول من نوفمبر 1959، عندما وظفني رئيس تحرير صحيفة «فكتوريا» في تكساس، كصحافي، وحتى اليوم وأنا أودع قرائي، أحببت عملي بكل جوانبه، مع بعض الاستثناءات المحدودة جدا.

ليس هذا المقال نعيا للمجال الصحافي، فقد أحببت كثيرا عملي كصحافي، أحببته عندما كنا نعمل بصورة صحيحة، ونتفهم الأخطاء التي نرتكبها. آمل أن تعمر الصحف اليومية، التي تكتب بالحبر وتطبع الكلمات بصورة تقليدية، بعدي بسنوات عدة.

كنت رئيس المكتب الحكومي لوكالة «يونايتد برس إنترناشيونال»، قبل أن أبلغ سن الرشد وأحصل على حق الاقتراع. وكان من أصدقائي ومستشاري الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، الحاكم السابق والمرشح الرئاسي آلف لاندون. ووقفت ذات مرة في ممر المحكمة أدخن السجائر في استراحة قصيرة، وتحدثت مع ريتشارد هيكوك، وبيري سميث اللذين مثلا دور قاتلين في فيلم «بدم بارد». وفي منتصف ليل شديد البرودة، شاهدت شنق لويل لي في ولاية كنساس حتى الموت، بسبب إطلاقه النار على أمه ووالده طمعا في الحصول على قيمة التأمين.

في عام 1964، عندما كان عمري 24 عاما، توجهت إلى القارة الآسيوية لتغطية حرب كنت واثقا من نشوبها في دولة صغيرة تدعى فيتنام الجنوبية. وفي غضون أربعة أشهر نزلت قوات مشاة البحرية الأميركية والقوات البرية على شواطئ دانانغ، وكنت أقف خلفها مباشرة.

ومر 16 عاما قبل أن أعود للعمل في الولايات المتحدة. وغطيت خلال تلك الفترة سنوات الحرب، وانقلابات عسكرية، وكوارث طبيعية وما إلى ذلك، في أماكن مختلفة، كفيتنام، لاوس، سريلانكا، أندونيسيا، الهند، باكستان، بنغلادش، تيمور الشرقية، أفغانستان، والاتحاد السوفيتي.

ويشيخ المرء بسرعة وهو يغطي الحرب الفيتنامية، وسط الغابات الكثيفة، والجبال الشاهقة، وحقول الأرز. وقتل في تلك الحرب المشؤومة 70 من الصحافيين والمصورين، العديد منهم كانوا أصدقائي. ولا تزال ذكراهم عالقة في قلوبنا حتى الآن ونشعر بالحداد عليهم، حتى بعض مضي أربعة عقود على وفاتهم.

وكان هناك بعض الكتاب الصحافيين الراغبين في المغامرة، وعلى رأسهم جون والكوت الذي كان رئيسي المباشر في العمل، وامتدت صداقتنا عشرين عاما في العديد من الصحف، وآخرها صحيفة «ماكلاتشي».

ثم هناك صديقان آخران، كان يسرني العمل معهما، وهما مايك روبي وميريل ماكلوجين، وكانا زوجين وكاتبين صحافين مشاركين، وامتلك كل منهما مهاراته الفريدة، التي تكاملت مع مهارات الآخر بصورة رائعة.

وفي النهاية يحكم الناس على كل شيء، سواء على الذين يغطون الأحداث، أو الذين عملت معهم على مدى سنوات طويلة تمتد لنصف قرن. وأشكر الله لوضعي على مسارات تقاطعت مع كل الذين عرفتهم في حياتي، سواء ذكرت أسماءهم أم لم أذكرها هنا، لكنهم ما زالوا أحياء في قلبي.

وأخيرا، يتعين علي القول إنني عندما كنت أقدم عمودي الأسبوعي في إبريل 2003، كانت الساحة غريبة على رجل أمضى 22 عاما في العمل في وكالة «يونايتد برس»، حيث كان يتاح لي إبداء رأيي، لكن لم أكن أسمح لأي شخص أن يتسلق على تقاريري، كما أمضيت 20 عاما آخر في صحيفة «يو إس نيوز»، التي آمن مؤسسها بتقديم الحقائق، ويدع القراء ليقرروا صحتها من عدمها.

لم يكن هناك نقص في المواضيع أو الأهداف، خلال الأيام التي تبقت من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ولا أي نقص ظاهر في إدارة الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، الذي اختتم عامه الأول في السلطة مؤخرا.

ولكن بحسب تعبير المغني كيني روجرز: «عليك أن تعرف متى تمسك بخصمك، وعليك أن تعرف متى تضعفه».

لذلك، بعد خمسين عاما من العمل، آن الأوان لأن أضعف هذا العمل.. وأمضي قدما مع بقية حياتي.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

opinion@albayan.ae