طوال الأسبوع الماضي، ومصر تعيش أجواء الفرح الجميل بالإنجاز الكبير الذي حققه فريقها لكرة القدم، بالفوز ببطولة إفريقيا للمرة الثالثة على التوالي والسابعة في تاريخه.

الإنجاز كبير والاحتفالات رائعة، والملايين التي خرجت إلى الشوارع مع نهاية المباراة الختامية في شلال من الفرح، ما زالت حتى الآن تحاول الإمساك بهذه اللحظات الجميلة التي توحد فيها الجميع، لعلهم ينقلون هذا المناخ من الرياضة إلى باقي مجالات الحياة، ولعل ما تحقق في كرة القدم يتحقق في مختلف ميادين الإبداع والبحث العلمي.

إنه الدور الحقيقي للرياضة.. ان توحد الشعوب، وأن تمنحها لحظات من البهجة التي تحتاجها لكي تواجه مصاعب الحياة. هكذا تفعل الكرة مع كل شعوب العالم، وهكذا تنفجر شلالات الفرح بالانتصارات الكبرى، من البرازيل إلى فرنسا إلى ألمانيا إلى الأرجنتين.. إنه سحر كرة القدم، القادرة على أن تجمع الكل وأن تلغي الفوارق، وأن تمنح المتعة والإثارة كما لا تفعل رياضة أخرى.

وسط شلال الفرح الذي اجتاح الجميع بالإنجاز الرياضي الكبير، والاحتفالات الرسمية والشعبية، والمهرجانات التي أقيمت أو ستقام، لم أهتز بأكثر من مشهدين رائعين.. المشهد الأول كان في صعيد مصر، وفي مدينة نجع حمادي التي شهدت مع بداية العام الحادث الطائفي المأساوي.

وحيث ما زالت الأجواء متوترة بين المسلمين والأقباط.. هناك خرج الشباب من الطرفين يحتفلون بالانتصار، ووقف كل فريق في البداية يحتفل وحده، ثم إذا بالكل يتجمعون تحت علم مصر، يرقصون ويغنون ويتعانقون في مشهد يمسح بعضا من جراح أصابت الوطن كله.

المشهد الثاني كان في غزة.. حين خرج الألوف من شبابها يحتفلون بفوز الأشقاء، ويرفعون أعلام مصر بجانب أعلام فلسطين.. يعلم الله كم خفق القلب مع هذا المشهد الرائع لشعب تحت الحصار، ورغم خلافات السياسة وجدران العزل يقول بكل عفوية: إن الجدران ستزول والخلافات لن تقطع علاقات الدم ولا تضحيات الشهداء.

ولن تمزق التاريخ ولن تغير الجغرافيا، ولن تبدل حقيقة أن المصير واحد والقضية واحدة والهم واحد والفرحة ـ حين تجيء ـ تكون من حق الأهل هنا وهناك.. بلا حدود وفوق أي خلاف.. أعلم أن المشهد تكرر في عواصم عربية كثيرة، ولكنه في غزة يعني الكثير مما ينبغي أن نقرأه جيدا.. شعوبا وحكومات!

إن إحدى مشاكلنا في العالم العربي.

كما في الكثير من الدول النامية، بل وبعض الدول المتقدمة ـ أن الرياضة يجري استخدامها في الكثير من الأحيان لأهداف سياسية ضيقة في الداخل، وهذه قضية تعالج داخل كل دولة، لكن الأسوأ ـ بالنسبة للعلاقات العربية ـ أن نترك الخلافات بين الأنظمة تدمر علاقات رياضية ينبغي أن تسمو على الخلافات، وأن تكون عامل تقارب بين شعوبنا العربية (وليس درس مباراة مصر والجزائر ببعيد)..

والسؤال هنا: لماذا لا نقلب الآية؟ ولماذا لا نستفيد من نفوذ الرياضة لكي نفرض على السياسة أن تصحح أخطاءها في هذا المجال؟ ولماذا لا نضع في الاعتبار الدور الوطني الذي لعبته الرياضة في حياتنا.

حيث نشأت أعرق الأندية العربية في أحضان الحركات الوطنية والقومية، وحيث كانت الأندية تمثل جانبا من التحدي للاحتلال، وكانت ـ بجانب الأنشطة الرياضية ـ تمثل معاقل للثقافة العربية ومراكز انطلاق للشباب ليمارس دوره الوطني والقومي؟!

بالطبع اختلفت الأدوار الآن، وتغيرت الأوضاع بعد الاستقلال، وتفرغت الأندية لمهمتها الرياضة، ولكن تظل الروح الوطنية والتوجهات القومية هي المظلة التي ينبغي أن تجمع الجميع..

وأظن أن المبادرة التي تقدم بها اتحاد الكرة في الإمارات، بعد أزمة مباراة مصر والجزائر للجمع بين الفريقين في لقاء ودي، جاءت في هذا الإطار، وفي إطار الفهم بأن علاقات الشعبين الشقيقين أكبر من أن تترك لحماقات الإعلام أو لأخطاء صغار المسؤولين هنا وهناك، أو للمتربصين من الداخل والخارج..

وما أكثرهم، وفي إطار أن الرياضة قادرة على تصحيح الأخطاء التي تقع في ميادينها، والتي من الطبيعي أن تقع، خاصة إذا أدركنا أن المنافسات في الرياضة تشتد كلما اقتربت المسافات.. وفي مصر مثلا قد يرضى الزمالك بالهزيمة من أي فريق مصري أو عربي أو أجنبي، ولكن الكارثة تقع عند الهزيمة من الأهلي، والعكس صحيح، وهكذا الأمر في العالم كله..

ومن هنا فعلينا ألا نستغرب وجود الحساسيات في اللقاءات العربية، وأن نعمل على محاصرتها، وأن نؤمن بأن البديل ليس المقاطعة، بل مضاعفة اللقاءات ومنع الخلافات السياسية من أن تترك بصماتها عليها.

وربما كان الوقت ما زال مبكرا لإعادة طرح اقتراح الإمارات، لإزالة ما تبقى من آثار لأزمة مباراة الجزائر ومصر، ولكن أظن أن علينا أن نتعامل بجدية مع الاقتراح، وربما أضيف إليه تعديلا بأن يكون اللقاء بين منتخب من الفريقين المصري والجزائري يلتقي مع الفريق الوطني الفلسطيني.

وأن يكون اللقاء تحت شعار عروبة القدس، وأن يتم في إطار احتفالية يشارك فيها الفنانون العرب، وينقلها الإعلام العربي من أرض الإمارات. وإلى أن يتم ذلك.. كل التهنئة لمنتخب مصر بإنجازه الإفريقي، وكل الأمنيات الطيبة لفريق الجزائر في منافسات كأس العالم، وللقدس الأسيرة نصلي حتى يتم الخلاص.

هل يعني هذا أن الرياضة ستحل كل المشاكل؟ بالطبع، لا.. ولكنها يمكن أن تخلق مناخا نستطيع فيه أن نجلس معا، لنحل مشاكلنا بالمنطق وبالعقل، وقبل ذلك بالمحبة وروح الأخوة، كما لا يعني ذلك على الإطلاق أن نتوقف عن السؤال: متى نعطي للعلم والبحث العلمي وللثقافة والإبداع نفس الاهتمام الذي نعطيه لكرة القدم، لعلنا ننجز في هذه الميادين ما أنجزه «الكباتن» في ملاعب الكرة؟!

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com