مظاهر الفرحة والسعادة الهستيرية التي اجتاحت شوارع المدن والقرى المصرية، وعدد من مدن الدول العربية أيضا احتفالا بفوز المنتخب المصري ببطولة افريقيا لكرة القدم 2010 في انغولا الأسبوع الماضي تستحق التأمل والدراسة.

هل أصبحت كرة القدم هي الانجاز والمصدر الوحيد للسعادة والفرحة لدي الشعوب بديلا عن انجازات أخرى في مجالات السياسة والاقتصاد؟

كيف يمكن توظيف واستثمار حالة الفرح التلقائي لدى الناس بفوز فريق في كرة القدم للنجاح والانجاز في مجالات أخرى تحقق السعادة الدائمة والفرحة المستمرة؟

لم تعد كرة القدم في حياة الشعوب مجرد لعبة الأقدام، بل هي لعبة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فمباراة مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم تحولت من مجرد مباراة في كرة القدم إلى ما يشبه حالة القطيعة بين الشعبين الشقيقين مازالت في حاجة إلى وقت لإزالة الرواسب النفسية التي خلفتها تلك المباراة.

وكلنا يتذكر ما فعله نجم الكرة المصري محمد أبو تريكة في بكولة افريقيا في غانا 2008 عندما رفع قميصه عقب تسجيله أحد أهداف البطولة كاشفا عن عبارة باللغتين العربية والانجليزية تحمل جملة «تعاطفا مع غزة» احتجاجا على الحصار وحرب الإبادة الشاملة ضد شعب عربي أعزل وصمت رسمي مريب.

فعل أبو تريكة لاعب الكرة الموهوب ما عجز عنه قادة سياسيون، فقميصه لفت أنظار العالم بشدة إلى معاناة غزة المحاصرة، فيما عجزت تصريحات واجتماعات وتنديدات زعماء عرب وقتها.

لم تغضب وسائل الإعلام الصهيونية وتطلق العنان لهجومها من الزعماء العرب وتصريحاتهم وتنديداتهم، مثلما استشاطت غضبا وحقدا على الزعيم الشعبي محمد أبو تريكة الملك المتوج في قلوب الشعب العربي، وطالبت برقبته فورا أو إيقافه عن اللعب، لأنه يدعم «الإرهابيين ويتعاطف معهم».

موقف أبو تريكة يؤكد من جديد أن كرة القدم أصبحت لعبة السياسة الأشهر، ولم تعد «لعب عيال» أو تغييبا لوعي الشعوب ـ على حد قول المثقفين.

فكرة القدم أصبحت في قلب السياسة والاقتصاد، فقد ابتهجت إسرائيل عندما رفع لاعب المنتخب الغاني المجهول جون بانستيل علم الكيان الصهيوني، بعد إحرازه هدفا في مرمى المنتخب التشيكي في كأس العالم الأخيرة بألمانيا، ووقتها لم تحدث الضجة المصاحبة الآن لموقف أبو تريكة، ولم يطالب أحد بوقف بانستيل الذي رفع العلم تعبيرا عن حبه لإسرائيل، التي يلعب في احد أنديتها.

كما لم يحرك احد ساكنا أيضا عندما قام بحركة مشابهة لكنها ذات دلالة دينية، حين كشف عن قميص داخلي كتب عليه عبارة «أنا انتمي للمسيح»، خلال إحدى مباريات كأس العالم للأندية في ديسمبر الماضي، ولم يعاقبه الاتحاد الدولي «الفيفا»، ولم يغضب منه أو يعاقبه.

وفي التاريخ تسببت مباراة لكرة القدم في إشعال الحرب بين دولتين جارتين هما السلفادور وهندوراس، كما ساهمت مباراة في تنس الطاولة في تليين العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية.

كرة القدم أصبحت مصدر السعادة الوحيد في بعض دول العالم، مثل دولنا العربية، بعد أن يأس الناس من احباطات السياسة وعجز السياسيين وانعزالهم عن الشعوب.

وكرة القدم باتت أيضا صناعة اقتصادية مهمة في بعض الدول للنهوض من عثراتها الاقتصادية، فالبرازيل التي اقترن اسمها بنجومها المشهورين في عالم كرة القدم، تمكنت أن تتفوق على كوريا الجنوبية اقتصاديا لتحتل المرتبة العاشرة في قائمة اقوى الانظمة الاقتصادية على مستوى العالم بفضل صناعة كرة القدم، وساهمت تلك الصناعة في دخل سنوي للبرازيل قيمته 17 مليار دولار (أي حوالي 95 مليار جنيه) العام الماضي بنسبة 8,4 بالمئة من اجمالي الناتج القومي، وصدرت البرازيل العام الماضي 1086 لاعبا حول العالم.

والتقارير الاقتصادية الصادرة عقب انتهاء كأس العالم في كوريا واليابان عام 2002 أشارت إلى أن البلدين المضيفين للبطولة حققا ايرادات بلغت 48 مليار دولار بعد استضافة كأس العالم.

إذن كرة القدم تتواجد بقوة في السياسة والاقتصاد ونجومها أصبحوا رموزا شعبية ووطنية، في ظل غياب لرموز سياسية حقيقية في مجالات أخرى، فعندما رفع أبو تريكة مثلا قميصه المتعاطف مع غزة وشعبها المحاصر أصبح بطلا وزعيما، مثلما هو الحال حاليا مع اللاعب محمد ناجي الشهير بجدو، الذي أصبح حديث الشارع العربي الكروي واستقبلته مدينته استقبال الأبطال الاسطوريين.

لماذا لايدرس علماؤنا الظاهرة ويخرجوا علينا بنتائج تدلنا على طريق الانجازات في كافة مجالات الحياة وليس في كرة القدم فقط؟

وفي اعتقادي فإن كرة القدم ستظل مصدر السعادة وصانعة الفرح في حياتنا حتى إشعار آخر.

Asanhory2003@yahoo.com