مع تصاعد دوي طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط، ثمة العديد من الأسئلة المشروعة والمشرعة على شبكة من الاحتمالات التي تضيق فجواتها يوما بعد آخر، بعد أن قررت واشنطن نشر نظم مضادة للصواريخ وسفن حربية في مياه الخليج العربي، وبعد إبداء إيران استعدادها لتصدير ما تملكه من يورانيوم خفيض التخصيب، ليعاد تصديره إليها بعد حقنه بجرعة تخصيبية كافية لاستخدامه في ميدان الطاقة السلمية.

أهم تلك الأسئلة يقول: هل يعيد ما يحدث في المنطقة من حراك سياسي وبوادر تحركات ومناورات عسكرية إلى الأذهان المشهد ذاته الذي شهدته ذات المنطقة ابان أزمة حرب الخليج الثانية؟ وهل تأخذ القوة شبه الإقليمية أو الإقليمية الإيرانية الصاعدة ذلك الدرس العسكري في الاعتبار وتضعه في صدارة أولوياتها الجيوسياسية، وتتذكر أن أي تصعيد عسكري من جانبها سيواجه بعمل عسكري واسع النطاق من شأنه الإطاحة كليا أو جزئيا بتجربة الثورة والجمهورية الإسلاميتين في إيران؟

لكن ألا تجدر الإشارة هنا إلى أن السؤال الثاني إن شاءت لهما التطورات والمستجدات أن يرى النور، فإنه لن يراه إلا من خلال عملية تضليلية طويلة ومعقدة عنوانها الرئيس شيطنة النظام الإيراني تمهيدا لتوجيه ضربة عسكرية «مشروعة» له على غرار ما حصل لنظام صدام حسين حين لفقت له تهم امتلاك أسلحة دمار شامل وصلات مع تنظيم القاعدة.

وقد يتساءل البعض حول جدوى انتهاج سياسة توجيه التهم جزافا، لكن سرعان ما يكشف له الواقع أن وقاحة سياسية تتسم بها السياسة الخارجية للنظام الغربي باتت تشكل إحدى ركائز تلك السياسة التي لا يتورع ممارسوها عن اعتماد مكارثية مقيتة، تعتمد مبدأ الغاية تبرر الوسيلة بغض النظر عن دناءة ونذالة هذه الوسيلة أو تلك، طالما أن هناك مصلحة من مصالح ممثلي ذلك النظام تتحقق في هذا الاتجاه أو ذاك.

وبما أن الكثير من القراءات السياسية تفيد بأن سيناريو غزو العراق للكويت وبالتالي دخول واشنطن على الخط لن يتكرر لأن إيران لن تقدم على أي عمل عسكري في المنطقة، وأن إسرائيل والولايات المتحدة لن تجازفا بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن حالة الصراع التي طال أمدها بين واشنطن وطهران لن تتمخض إلا عن بعض الترتيبات الإقليمية الأمنية والسياسية المعلنة أو السرية، تعترف للاعب الإقليمي الجديد بدور ما إلى جانب اللاعبين الرئيسيين الآخرين تركيا والدولة العبرية.

ما يضعف احتمال تغيير دراماتيكي في المنطقة واقع يفيد بأن الكثير من السياسيات والحروب الأميركية الخارجية ما كان له أن يرى النور بعيدا عن وجود مستوى معين من التنسيق، إن لم يكن الاتفاق بين واشنطن وطهران، التي بات معروفا أن لها يد طولا.

وهذا ليس عيبا من منظور مصالحها القومية، في العديد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط بدأ بأفغانستان إلى العراق مرورا باليمن وليس انتهاء بلبنان.

وفي حين قد يعتبر البعض أن المطامع أو المطامح السياسية للدول حق مشروع، فإن واشنطن وإسرائيل تعتبران ذلك الحق حكرا عليهما، بينما تاريخ العلاقات السياسية الدولية لا يعترف على الإطلاق بأوضاع سياسية نهائية.

خلاصة القول إن سياسة الفزاعة، التي لطالما لجأت إليها واشنطن لإخراج نفسها من أزمات مستعصية، هاهي تمثل في وجه المنطقة من جديد وبطلها هذه المرة من حاربه صدام حسين ذات يوم.

bassil@albayan.ae