اعتباراً من نهاية يناير الماضي، وتحديداً في الثالث والعشرين منه، فقدت حكومة حركة حماس شرعيتها الدستورية، ولم تعد ذات صفة، وفق القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، وكذلك الحال مع الرئيس محمود عباس، إذ سبق حماس إلى فقد شرعيته الدستورية بسنة كاملة، وتحديداً في التاسع من يناير من العام الماضي.

وعلى الرغم من ذلك، فلا يزال الطرفان يعتبران نفسيهما جناحي السلطة في الرئاسة والحكومة، وهما بذلك يستندان إلى الأمر الواقع، ووفقه يديران صراعاتهما، وليس وفق قوانين السلطة التي تأسست باتفاقيات أوسلو، تلك الاتفاقية التي أخذت القضية الفلسطينية إلى شرعية جديدة منذ سبتمبر 1993، تقوم على التسوية السلمية مع إسرائيل.

اليوم وبعد انتفاء شرعية الرئاسة والحكومة، فإنهما يستمدان شرعية الاستمرار من مصادر أخرى، تتمثل في التاريخ وتستند إلى القوة، وفيما يتعلق بالأول تتكئ الرئاسة على تاريخ حركة فتح، باعتبارها كانت طليعة النضال الفلسطيني في مرحلة سابقة، وباعتبارها الأقوى أمنياً في الضفة الغربية.

وكذلك هو حال حركة حماس، فاستمراريتها تعتمد على تضحياتها في تحرير قطاع غزة من الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الاعتماد على معادلة القوة، فهي المسيطرة عملياً على القطاع.

ومن الناحية الموضوعية انقلب الطرفان عملياً الآن على شرعية أوسلو، فالرئيس عباس يرفض الترشح مجدداً للرئاسة، ويعجز عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عموم أراضي السلطة، كما أوقف المفاوضات مع إسرائيل معترفاً بعدم جدواها. أما حماس ـ كما هو معروف ـ فإنها رفضت أوسلو منذ البداية، ولا تزال على موقفها، رغم مشاركتها في الحكم.

وهكذا فكلا الطرفين يفرض نفسه معتمداً على شرعية مناقضة في جوهرها لشرعية تأسيس السلطة الفلسطينية، وهي شرعية المقاومة، التي جاءت أوسلو خصيصاً للنيل منها، وهو ما يثبت سقوط أوسلو عملياً، بل ويثبت أيضاً أنها السبب المباشر للمأزق الذي تحياه القضية الفلسطينية.

فما تواجهه الحركة الوطنية الفلسطينية من مآزق وأزمات داخلية يعود بالدرجة الأولى إلى تناقض الرؤى والاستراتيجيات.

فالسلطة بقيادة الرئيس محمود عباس ترى أن السبيل الأمثل لتحرير الأرض يكون عبر المفاوضات ونبذ المقاومة المسلحة، ومن هذه الرؤية تحكم وتصيغ العلاقات الفلسطينية الفلسطينية، والعلاقات الفلسطينية العربية، بل والفلسطينية الدولية، ومنها أيضاً تتعامل مع إسرائيل متمسكة بنهج التفاوض.

وفي المقابل ترى حركة حماس ومعها العديد من القوى الفلسطينية أن نهج المقاومة المسلحة هو الأنجع، فلم يكن ممكنا لغزة أن تتحرر إلا بالمقاومة. وترفض الحركة اقامة سلام مع إسرائيل، ومن أجل ذلك ترفض وتقاوم بصلابة كل الضغوط الرامية إلى إجبارها على تغيير ميثاقها المقاوم.

هذا الخلاف هو ما يسبب الانقسام الفلسطيني الحالي، ويأخذ معه كل العرب إلى مآزق متتالية، فالعالم العربي منقسم بدوره بين النهجين. وشجع هذا الانقسام إسرائيل على شن الحرب على غزة.

وسوف يشجعها أكثر على شن مزيد من الحروب. فبعض العرب يغذي هذا الانقسام من طرفيه، بهدف الرغبة في توظيف الملف الفلسطيني لحساب علاقاته إقليمية ودولية، ومن ثم يريد الاستئثار بالقضية كقيمة مضافة لتعزيز شرعيته وتقوية أوراقه الخارجية لدى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، وهو ما أحدث حالة من التبادلية العربية الفلسطينية، التي لن تنتهي ما لم يحسم الفلسطينيون موقفهم من شرعية قضيتي المقاومة والمفاوضة.

وحسم هذه الحالة لن يتحقق إلا بالتوافق الوطني الفلسطيني أولاً وأخيراً، عبر الجمع بين المقاومة والمفاوضة. أما الارتهان لواحدة منهما، فليس إلا وصفة تقود إلى مزيد الانقسامات والصراعات، التي لن تحقق نصرا ولن تهزم عدوا.

وهذا ما خبرناه جميعاً طوال أشهر الخلاف والاقتتال الفلسطيني. ومن دون الوصول إلى هذا التوافق، لن تهدأ الساحة العربية، بل ستشهد حروباً أهلية عربية سياسية واستخباراتية متوالية، و«جراب» العرب مليء بالكثير من ميراث البسوس.

وإذا كان كثيرون يعولون على المصالحة الفلسطينية وحدها لإنهاء الانقسام، فإن ذلك ليس إلا من باب التمنيات. فالمصالحة ستحتاج مع كل تحد جديد إلى مصالحة أخرى.

وهكذا، حتى تستنزف الجهود والطاقات. لأن العلاج الحقيقي للأزمة الفلسطينية الداخلية لن يتحقق إلا من خلال التوافق حول الشرعية التي ضاعت من القضية. فنحن الآن أمام قضيتين فلسطينيتين وليس قضية واحدة.

alkennany@albayan.ae