بكثير من الشجن والأسى، وبغير قليل من الترحال الشارد عبر ضباب الذكريات، الذي تكاثف مع مرور سنوات العمر، أخذت في الترحم على أستاذ الأجيال المغفور له الدكاترة حامد عبد الله ربيع، مستعيدا الجهد الكبير الذي كان يبذله في محاضراته في قضايا النظرية السياسية، وفي مقدمتها عملية صنع القرار.
ولا حدود للمرات التي كان هذا العالم الكبير يشدد فيها على حتمية جمع نموذج صنع القرار السياسي بين عناصر عدة، أهمها استناده إلى أدق مستوى ممكن من المعلومات، اتسامه بالرشادية والطابع المنطقي الصارم، اندراجه في تحقيق المصالح القومية عبر نسق استراتيجي متماسك ورفضه التام للفردية والعشوائية والانصياع للمؤثرات والضغوط الذاتية. هذا كله ماكان يمكن إلا أن يقفز للذهن بقوة ومضاء، فيما كنت أتابع، ومعي الكثيرون، الشهادة التي أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، أمام لجنة التحقيق في ملابسات غزو العراق، وقرار بلير إرسال 45 ألف جندي بريطاني للمشاركة في الغزو.
والأصداء التي فجرتها هذه الشهادة والتطورات الموازية، التي شكلت تكذيبا لمفاصلها، إلى حد لم يتردد معه أندرو موراى، رئيس «ائتلاف أوقفوا الحرب» في القول إن السؤال الحقيقي الذي يحتاج بلير للإجابة عنه في النهاية سيكون في لاهاي وأمام محكمة لجرائم الحرب.
ربما كانت هذه الشهادة مثيرة للاهتمام، بالنسبة للبعض، من منطلق كشفها لوقائع و أحداث وتطورات بعينها، ولكن من المؤكد أنها ألقت الضوء على عقلية بلير وطريقة تفكيره وآلية اتخاذه للقرارات، وهو ما يشكل نسيجا كليا لم تتردد صحيفة «غارديان» اللندنية في وصفه بأنه تقشعر له الأبدان.
من المحقق أننا في متابعتنا لهذه الشهادة، التي استغرقت ست ساعات، لابد لنا من التوقف أمام عدد من النقاط، التي نراها منطلقات لفهم أفضل لما تعرض له العراق الشقيق من محن ومآس.
أولا ـ برر بلير إتخاذ قرار الحرب ضد العراق في واشنطن ولندن بأنه راجع إلى تقييم مختلف تبناه المسؤولون في العاصمتين لخطر نظام صدام حسين، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
هنا يقر بلير بأن بغداد لم تكن لها علاقة بأحداث هذا اليوم، ولا بمن وقفوا وراءه، إلا انه على حد تعبيره: «إن سياسة احتواء برنامج أسلحة الدمار الشامل فشلت، وبالتالي تحتم التصدي لصدام». ومن الواضح أننا هنا أمام المناسبة التي شكلت أرضية تنفيذ قرار تم اتخاذه مسبقا، وما من كمية من الكذب أو التضليل يمكن أن تموه هذه الحقيقة.
ثانيا ـ يمتد مسلسل النفي الذي لعب بلير بطولته إلى طبيعة الالتزام الذي تعهد به بلير للرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حيث أكد الشهود أن بلير تعهد لبوش قبل11 شهرا من الغزو بمساندة بريطانيا للولايات المتحدة في الغزو، وبالمقابل نفى بلير وجود اتفاق سري، وأكد أنه وعد بوش بالوقوف إلى جانبه فقط في حال فشل الجهود الدبلوماسية.
ثالثا ـ ماكان يمكن إلا أن نتوقف طويلا أمام تأكيد بلير أنه: «كان سيفعلها ثانية لو تكررت الظروف»، بمعنى أنه كان سيشن الحرب على العراق في كافة الأحوال، والأكثر من هذا ان شهادته تضمنت الدعوة إلى شن الحرب على إيران، وهي دعوة كررها أربع مرات خلال شهادته.
نفى بلير في شهادته أن يكون قد استخدم تعبير «تغيير النظام» في مقابلته مع الـ (بي. بي. سي)، في ديسمبر الماضي، وقال إنه لم يستخدم هذا التعبير قط، وكل من شاهد المقابلة يعرف أن بلير سئل خلالها عما إذا كان سيقحم بلاده في الحرب، لو كان يعرف أن العراق ليست لديه أسلحة تدمير شامل، فأجاب: «كنت سأستمر في الاعتقاد بأن الإطاحة بصدام أمر صحيح. من الواضح أننا كنا سنستخدم ونطور حججا مختلفة في شأن طبيعة التهديد».
رابعا ـ لم ينقض وقت طويل على شهادة بلير، إلا وبادرت كلير شورت، وزيرة التنمية الدولية التي استقالت من حكومته بعد الغزو، إلى اتهامه بأنه خدعها، وكذب على مجلس الوزراء، وضلل البرلمان في غمار تمريره لقرار الغزو.
خامسا ـ نشرت صحيفة «إندبندت» اللندنية وثيقة سرية تتضمن خطة بريطانية أعدها مسؤولو وايتهول، قبل الغزو بعامين، تتضمن خطة بريطانية لتشجيع إنقلاب داخلي في العراق، وتتضمن الوثيقة ما وصف بأنه تعاقد مع الشعب العراقي تضمن القول إن من يطيحون بنظام صدام حسين سيحظون بالدعم من بريطانيا، وسيحصلون على المعونة وعقود نفطية وإلغاء الديون وصفقات تجارية فور نجاح انقلابهم.
من خلال هذه الشهادة، التي وصفتها الصحف اللندنية بأنها حولت الأكاذيب إلى حقائق، غدت اعتقادات، وأصبحت معها الأحكام أدلة، وصار الفشل والنجاح على حد سواء في مسار واحد، يبين أن آلية صنع القرار في العواصم الغربية،على الرغم من استعانتها بكل أشكال ووسائل التقدم العصرية، لا تزال في جوهرها تستند إلى تقاليد ممتدة تضرب في أرضية إيديولوجية نعرفها جميعا حق المعرفة.
فصناع القرار في لندن يتصرفون اليوم بالعقلية ذاتها التي كانت سائدة عندما كانت بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وبلير وجد أرضية تربطه بالمحافظين الجدد، لأن حكومته تنطلق من عقلية موازية، وصولا إلى أهداف متشابهة.
بقي أن نتذكر جميعا أن العراق الشقيق، الذي ساهمت بريطانيا بـ 45 ألف جندي في غزوه، فقد منذ بداية الغزو وحتى اليوم، بحسب تقدير موقع «إنفورميشن كليرنغ هاوس» 350 .366 .1 قتيلا من أبنائه، والهاوية في انتظار المزيد.

