جاءت الأزمة المالية العالمية لتضرب الاقتصاد الأميركي في العمق وتهدد بانهياره، وبدا واضحاً في تصريحات الرئيس أوباما العدول عن سياسات الحروب والحملات العسكرية ذات التكاليف الباهظة، التي تقدر بمئات المليارات، والتي لا يتصور أن تتحملها الخزانة الأميركية ولا دافعو الضرائب الأميركيون في ظل ظروف الأزمة.

وقد لاحظنا جميعاً أن هناك حملات انتقاد شديدة للرئيس أوباما من أركان اليمين المحافظ الأميركي، من الجمهوريين وغيرهم، يتهمونه بالتعامل بتهاون مع الأمن القومي الأميركي، بسبب تخليه عن الحملة على الإرهاب ووعوده بسحب القوات من العراق، والحوار مع إيران، وضغوطه على إسرائيل.

ولكن لم يمض عام من عمر إدارة أوباما حتى بدت مؤشرات التغيير في سياسة الإدارة الأميركية بالحديث عن إرسال الآلاف من الجنود لأفغانستان، وطلب أوباما من الكونغرس اعتماد أكثر من ستين مليار دولار لدعم الحرب في أفغانستان، وعاد الحديث من جديد عن الإرهاب والقاعدة.

ومع اندلاع الأحداث في اليمن زادت نبرة حديث الإدارة الأميركية، بما في ذلك أوباما نفسه، عن الإرهاب وتهديداته، كما بدا أن أوباما ينوي نفض يده من النزاع في الشرق الأوسط باعترافه الصريح بالفشل هناك، وأخيرا تحذيراته للسودان، وفي نفس الوقت لاحظنا تراجعاً ملحوظاً في حملة اليمين المحافظ الأميركي على الرئيس أوباما، وتراجع حدة الانتقادات الموجهة له.

الآن نلاحظ بوضوح أن الإدارة الأميركية لم تعد تتحدث عن الأزمة المالية، بقدر ما تتحدث عن الإرهاب وتهديداته، خاصة بعد عملية التفجير الفاشلة، التي قيل إن النيجيري عبد المطلب حاول تنفيذها على متن طائرة متجهة من أمستردام إلى ديترويت.

ورغم أن العملية كانت محكومةً بالفشلِ سلفاً، لأن المادة التي أخفاها الشاب النيجيري في سروالهِ الداخلي لم تكن مزودة بصاعق، وبالتالي كان من المستحيل أن تنفجر.

ولو كان عبد المطلب أراد فعلاً تفجير الطائرة لحمل كيلوغراماً من الديناميت ولنجح في ذلك، بما أنه وصل إلى داخل الطائرة، وعلمنا بعد ذلك أن شركةً يمتلكها مواطنان إسرائيليان كانت تشرف على أمن مطار أمستردام، وأن هذه الشركةَ هي نفسها التي كانت تشرف على أمن المطارات الأميركية التي انطلق منها منفذو عمليات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

حادثة الشاب النيجيري وفرت للسلطات الأميركية الدعم الشعبي اللازم، لتصعيد العمليات العسكرية في أفغانستان وفتح جبهة جديدة في اليمن، بعد أن أعلنت السلطات الأميركية أن عبد المطلب تلقى تدريبه في معسكرات القاعدة في اليمن، علماً بأن هذه المعسكرات لا وجود لها.

والآن يستعد الأميركان للتوجه إلى اليمن لفتح جبهة جديدة لا نعتقد أنها ستكون الأخيرة، بل هناك جبهة أخرى أكبر مساحة وأكثر خطورة، بدت مؤشرات افتتاحها واضحة، وهي الجبهة الهندية الباكستانية، وقد سمعنا تصريحاً لوزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس منذ أيام، عبر فيه عن تخوف بلاده من نشوب حرب بين الهند وباكستان، وقال إن «القاعدة» تحاول إشعال فتيلِ النزاعِ بين الجارين.

واشنطن تكثر الحديث عن منظمات إرهابية في مناطق مختلفة من الكرة الأرضية، وتحاول بشتى الوسائل إقناع الأميركيين والعالم بضرورة الاستعداد لشن حرب طويلة الأمد ضد الإرهاب.

وعلى ما يبدو أن الماكينة العسكرية الأميركية التي عبرت الأطلسي شرقا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، لن تعود لأراضيها قريباً، فأمامها مهام واسعة النطاق في أماكن مختلفة من العالم.

وليعلم أوباما أن بلوغ المنال ليس بالأماني ولا بالنوايا الحسنة، وليفهم أيضاً معنى اللغز الذي قاله أحد الحكماء بعد اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي عام 1963، حين قال «سيد البيت الأبيض إما أن يحكم وإما أن يبقى فقط رئيساً».

ومن المعروف أن كنيدي أراد أن يحكم وأن يكون صاحب القرار ففقد الرئاسة والحياة معا، وكل من يأتي من بعده يستوعب هذا الدرس جيدا، وأوباما ليس استثناء.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail