سعت المملكة العربية السعودية إلى إحداث متغيرات سياسية كبيرة في سياستها الخارجية والداخلية، رغبة من الملك عبدالله بن عبد العزيز في التأسيس لمرحلة جديدة في حياة المملكة تطبع باسمه، وقد سعى الملك عبدالله الذي تخضرم في خبرته السياسية، إلى إطلاق رؤية تنويرية إصلاحية تراكمية طويلة الأمد.
وإذا كانت الإصلاحات الداخلية تمر عبر تحولات بطيئة، فإن إدارة السياسات الخارجية للمملكة شهدت العديد من المتغيرات والتحولات المهمة والرؤى المختلفة. فلماذا حدثت هذه المتغيرات؟
تلعب قناعات رأس الهرم السياسي في المملكة والمتمثلة بالملك عبدالله، دوراً في الاستدارات السياسية للرياض، سواء على صعيد مواقف المملكة أو منهج إدارتها للسياسات والأزمات، غير أن التغيرات السياسية وبالذات قدوم الرئيس أوباما، وفر العديد من شروط التحولات السياسية للمملكة، في اتجاه محاولات الخروج من سياسة المحاور إلى سياسة الانفتاح.
يضاف إلى ذلك بروز العديد من التهديدات الجدية لمصالح المملكة في المنطقة العربية ومحيطها، والتي كان آخرها انفجار الصراع المسلح مع الحوثيين على الحدود اليمنية السعودية، مع الإقرار بالخطر الداخلي لتنظيم القاعدة، رغم النجاحات الأمنية الملموسة التي تحققت، وإن كانت لم تصل إلى حد الخلاص منه كليا.
لقد أرادت السعودية عبر إطلاق نداء الملك عبدالله بضرورة توحيد الصف العربي، ورفع شعار عفا الله عما مضى وغيرها من دعوات للملمة الصف العربي، إلى إعادة هيكلة العلاقات العربية بما يخدم عودة الرياض لتكون إحدى العواصم الإقليمية المركزية في المنطقة، بعد أن أدركت أن خيوط المنطقة باتت خارج الأيدي العربية.
وأصبح القرار العربي يتركز أكثر في ثلاث عواصم غير عربية: طهران وأنقرة وتل أبيب، هذه العواصم تركزت في يدها مصائر ومصالح الأمة العربية، وظهرت شبكة تحالفات بين هذه العواصم وبعض الدول العربية، أضرت كثيراً بالمصالح العربية وعمقت من حالة انقسامها وصراعاتها وأحياناً حروبها، فباتت الدول العربية متموضعة في محاور من خارجها، أو منهكة في عزلتها (المغرب العربي)، أو تعيش حالة من الحروب الداخلية والانقسامات الحادة (اليمن، السودان، فلسطين، العراق).
وعند النظر بالعين السعودية لواقع المنطقة العربية وأزماتها وصراعاتها، فإن الخاسر الأكبر في العقد الماضي هم العرب وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، جراء منظومة التحالفات الإقليمية التي سادت.
وسواء كانت تلك الخسارة بوعي أو بسوء تقدير، أو كانت خارج قدراتها، فإن هذه الخسارة تجسدت في احتلال العراق والفوضى التي لازمته، والنفوذ الإيراني المندفع عبر العراق نحو بلاد الشام والجزيرة العربية.
يضاف إلى ذلك تقدير الرياض للقاهرة الحليفة الكبرى المركزية، والتي وإن حافظت على تواصل معها، إلا أنها بدت أكثر تركيزاً في السنوات الأخيرة على شؤون مصر الداخلية.
كل هذه المعطيات وغيرها دفعت المملكة لاجتراح سياسة مغايرة، تقوم على جعل الرياض المركز الإقليمي العربي الرئيسي، ولتتولى بنفسها عملية إعادة هيكلة الخارطة السياسية العربية في مواجهة نفوذ الثالوث الإقليمي (طهران ـ أنقرة ـ تل أبيب)، من خلال عملية انفتاح واسعة وشاملة على مجمل العواصم العربية.
وهذا يعني خروج الرياض إلى الدائرة العربية الواسعة في إطار تسويات متوازنة لمصالحها ومصالح حلفائها. ولعل المثال الأبرز والمتحقق هو عملية التسوية التي تمت بين دمشق والرياض على جغرافية لبنان، حيث أثمرت عن خلق حالة من التوازن النسبي بين الفرقاء اللبنانيين وتبادل المصالح، بالتوافق بين دمشق والرياض.
هل يشكل النموذج اللبناني حالة عدوى بالمعنى الإيجابي للحالة الفلسطينية المنقسمة؟ وتالياً يشكل نجاحاً آخر يضاف لنجاح الرياض في سياسة تعريب الأزمات ولاحقاً تسويتها؟
المعطيات الأولية تشير إلى بداية توجه الرياض صوب الحالة الفلسطينية، عبر تكييف العلاقة مع دمشق حاملة مفاتيح الحل للخلاف الداخلي الفلسطيني. غير أن الاختبار الأصعب للسياسة السعودية سيكون اختبار العراق، حيث المنازلة الكبرى مع إيران بكل ما تعني هذه الكلمة.
فالوضع العراقي معقد، فهل تبدأ الرياض بتثمير علاقاتها مع دمشق والتي بدأت بالانسلال وببطء من تحالفها المركزي مع طهران في العقد الماضي إلى أنقرة والرياض، وتالياً تستثمر دمشق نفوذها في العراق بتعاون مع الرياض لإحداث بداية توازن داخل التركيبة العراقية المختلة لصالح طهران؟
المسألة برسم قوة المواظبة السعودية على مواصلة تعريب الأزمات العربية، ثم حلها في إطار المصالح القومية العربية، التي بدأت تظهر كمحدد رئيسي في السياسة الخارجية للمملكة، وهذا ما نرقب تمظهره في القمة العربية المقبلة في ليبيا، بحيث تكون تلك القمة قمة سعودية بامتياز، رغم انعقادها في ليبيا.
كاتب فلسطيني