المأزق العبري والمأزق العربي.. هل من مخرج؟

المأزق العبري والمأزق العربي.. هل من مخرج؟

على لسان أعلى موقع دبلوماسي في الأمم المتحدة، جاء الموقف الدولي واضحا في إدانة الاحتلال الصهيوني وممارساته العدوانية والاستيطانية واللا إنسانية في الأراضي الفلسطينية، سواء في القدس أو في غزة أو في الضفة الغربية، وبأوضح عبارة وصف السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون هذه الممارسات بأنها انتهاك للقانون الدولي وللقانون الإنساني الدولي..

وقال في افتتاح جلسة «لجنة الأمم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف» الأسبوع الماضي: «إن إسرائيل تواصل نشاطاتها الاستيطانية في الضفة الغربية وشرق القدس، بما يشكل خرقاً للقانون الدولي ويتنافى وخطة خريطة الطريق».

وقال محذرا: «إن النشاطات الاستيطانية ليست في مصلحة أحد، وخصوصاً إسرائيل»، لأنها «تقوض الثقة وتؤثر على نتيجة المفاوضات المقبلة لإقامة دولة دائمة، وتهدد أساس حل الدولتين في حد ذاته».

وشدد السكرتير العام على أن المجتمع الدولي «لا يعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية التي تشكل جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة»، داعيا إلى التوصل إلى وسيلة، عبر التفاوض، لكي تصبح القدس عاصمة لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن، مع ترتيبات مقبولة من الجميع بشأن الأماكن المقدسة».

كما أدان الحصار الإسرائيلي اللا إنساني المفروض على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، معبرا عن قلقه من «الوضع الإنساني الخطير» في غزة، بعد أكثر من عام على الهجوم الإسرائيلي على القطاع.

وأعرب عن أسفه لان «المحاسبة على الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان» خلال النزاع «لم تتم بشكل مناسب» كما دعت إليه لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة.. ولكن هل يكفي الكلام الدولي بديلا عن الفعل لوقف تلك الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية لأمن الدول العربية؟!

طبعا، إسرائيل التي تقف الآن في مأزق مع نفسها ومع الضمير الإنساني الدولي، لا تتحمل مزيدا من الإدانات الدولية، بعدما فضح جرائمها تقرير تلك اللجنة الدولية المستقلة برئاسة القاضي الدولي غولدستون، والتي وجهت الاتهام لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ووجهت اتهامات بدرجة أقل للفلسطينيين بسبب الرد بالصواريخ، قابلت تصريحات بان كي مون بالانتقاد الشديد، وحاولت الالتفاف على اتهامات اللجنة الدولية، بالرد على تقرير غولدستون بأنها تحاكم ضابطين إسرائيليين قاما بقصف المدننين الفلسطينيين في غزة بالفسفور الأبيض المحرم والمجرم دوليا..

لكنها مع كل هذا الكلام الأممي والدولي الواضح، وفي غياب أية ذرائع تبرر مزيدا من العدوان الإسرائيلي، مثل الصواريخ الفلسطينية التي «تهدد أمن إسرائيل وتشكل خطرا علي سكان مستوطنات جنوب إسرائيل»، تحاول الخروج من مأزقها بشن مزيد من العدوان.

حيث عادت من جديد مدعومة من الولايات المتحدة بإطلاق صيحات التهديد بالحرب، تارة ضد غزة وتارة ضد لبنان وتارة ضد سوريا وأخرى ضد إيران، في غياب أي رد فعل دولي واضح على تلك التهديدات، أو رد حتى بالكلام العربي على التهديد العبري!

فقد بات موقف النظام العربي الآن هو تبني مقولة «السلام خيار استراتيجي وحيد»، ردا على كل التهديدات، والتفاوض ثم التفاوض وسيلة وحيدة لطلب الحقوق، لا طلبا للسلام، بل للسلامة من التهديد الإسرائيلي والضغط الأميركي والضغوط الغربية.

بينما التفاوض وحده لم يحرر شبرا ولا أعاد حقا حتى الآن، بل اتخذ ت إسرائيل من دعوتنا للسلام والتفاوض، واستبعاد الحرب ومقاومة المقاومة، مظلة تمارس تحتها سلسلة من الاعتداءات على لبنان وعلى فلسطين، وأقامت الجدران العنصرية العازلة.

وفرضت الحصار اللا إنساني الظالم على غزة، وواصلت الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وتواصل الاعتداءات والتهديدات لتضع النظام العربي في انقسام مع نفسه وفي مأزق مع ذاته.

وانعكس ذلك بطبيعة الحال على القوى الوطنية الفلسطينية ذاتها، فانقسمت هي الأخرى بين مقاومين ومفاوضين، وكانت بقيادة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وهو الذي قاوم وفاوض وقبل الكثير مما لا يقبل، قبل انقسامها تعاني العدوان ذاته ورفض التسليم بالحقوق ذاتها والحصار ذاته، بل والقتل والاغتيال ذاته!

وبعد الانقسام اتخذ البعض الانقسام السياسي شماعة لوقف كل شيء، بما في ذلك وقف إنهاء الاحتلال وكسر أو رفع الحصار، ووقف إعادة الإعمار في غزة، عقابا غربيا على الشعب الفلسطيني لممارسة خياره الديمقراطي بانتخاب حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وعقابا عربيا لحركة المقاومة الفلسطينية لأنها ترفض الاعتراف بإسرائيل، ولا تقبل التفاوض بلا نتيجة وبلا نهاية.

بينما الواقع الحالي العربي والفلسطيني الآن هو الجمود عن المفاوضة والقعود عن المقاومة، والاستمرار في المناكفات العربية ـ العربية والفلسطينية ـ الفلسطينية، حتى بات جميع الأطراف الوطنية والعربية في مأزق.. فهل من مخرج لهذا المأزق؟

المخرج قد يكون بمقولة مغايرة، أن «ما اغتصب بالقوة لن يستعاد إلا بالقوة»، بدءاً بقوة الحق والقانون، ومرورا بقوة البنيان الذاتي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ونهاية بقوة السلاح القادر على الرد والردع.

والقوة لا تصنعها إلا الوحدة، فبالوحدة الوطنية وبالوحدة العربية وبالتكامل العربي الإسلامي، وبالقوة نقاوم ونفاوض، حيث سنكون قادرين على المقاومة، وعلى المفاوضة أيضا من موقع القوة، وكما قال أبو عمار ذات يوم «الحل بالتفاوض هو ثمرة المقاومة بالبندقية».

ولأن المحتلين عبر التاريخ كله لم يسلموا للشعوب بالحق في الحرية أو الاستقلال دون مقاومة، فقد قاومت كل الشعوب المحتلين وفاوضت وأجبرت المحتلين عل الانسحاب، ولم تكن المفاوضة بديلا عن المقاومة أو العكس، ولم تكن المقاومة أو المفاوضة ممكنة ولا مثمرة دون دعم كل القوى المدافعة عن الحق والعدل والحرية في العالم.. اسألوا الجزائر واسألوا فيتنام، بل اسألوا ديغول فرنسا.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات