هل يمكن القول الآن إن الولايات المتحدة، بإجرائها اتصالات سياسية غير مباشرة مع قادة حركة طالبان الأفغانية، قد قررت وضع نهاية لحربها في أفغانستان، بما يمهد لإنشاء حكومة وحدة وطنية في كابول تكون الحركة شريكاً بارزاً فيها؟

تقول صحيفة «هيرالد تريبيون» الأميركية، إنه على مدى أسابيع تتردد أحاديث في العاصمة الأفغانية كابول، عن مناقشات بين حكومة حامد قرضاي الموالية لواشنطن، وما يطلق عليه «هيئة الشورى» الكائن في مدينة كويتا الباكستانية.. وهو مجلس يعتبر بمثابة مقر قيادة طالبان في الخارج.

وتدور هذه المناقشات، وفقاً للصحيفة، حول صفقة مفادها إشراك حركة طالبان في السلطة، على أن يبقى قرضاي محتفظاً بمنصب الرئاسة.

هذه الأحاديث لا يجوز تسفيهها بالمطلق، إذا أخذنا في الاعتبار أن مجريات الحرب الأميركية في الأراضي الأفغانية، تنتقل من سيئ إلى أسوأ، بما يفيد أن الولايات المتحدة تجد نفسها على طريق يفضي بها إلى هزيمة حاسمة، على غرار ما جرى للقوات الأميركية في حرب فيتنام خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم. إضافة إلى ذلك، هناك مؤشرات تعزز هذا الاستخلاص.

تقول الهيرالد تريبيون إن المسؤولين الأميركيين والسياسيين الأفغان الموالين للولايات المتحدة، توصلوا معاً إلى قناعة نهائية بأن من المستحيل تحقيق انتصار حاسم ضد قوات طالبان، وبالتالي فإن المخرج الوحيد المتاح أمام واشنطن للانسحاب بشرف، هو التوصل إلى تسوية سياسية مع قيادة الحركة، وان هذه التسوية لا يمكن تحقيقها إلا بإشراك طالبان في السلطة.

حتى الآن، ظلت الإدارة الأميركية تتفاوض مع قيادة الحركة بصورة سرية وغير مباشرة. لكن هذه المفاوضات اصطدمت مع قضيتين. فمن ناحية كانت الولايات المتحدة تصر على ان أية تسوية يجب ان تتضمن موافقة قادة طالبان على إلقاء السلاح.. ومن ناحية أخرى أن تلغي الحركة تحالفها مع تنظيم «القاعدة».

في المقابل، كانت قيادة طالبان تصر على ان أية تسوية يجب ان تتضمن انسحاب القوات الأميركية من الأراضي الأفغانية، قبل ان تبدأ أي محادثات رسمية بين الجانبين.

لماذا إذن تغير موقف واشنطن بحيث انها أصبحت تدعو إلى إشراك طالبان في السلطة على أساس إنشاء حكومة وحدة وطنية؟

كما أفادت التجربة الفيتنامية، فإن الشروط من هذا الطرف أو ذاك، تقررها الأوضاع العسكرية الميدانية على أرض المعركة. وهذه الأوضاع تتطور الآن لصالح قوات الحركة الأفغانية.

في هذا الصدد تجمع الوسائل الإعلامية الأميركية، على أنه بينما أصبحت قوات طالبان تقاتل بصورة أكثر شراسة من أي وقت مضى، منذ ابتدرت الولايات المتحدة إشعال الحرب في عام 2001، فإن الجنود الأميركيين يتساقطون في الميدان بأعداد متصاعدة يومياً. وقد بلغ عدد القتلى الأميركيين في عام 2009 المنصرم، ضعف عدد من قتلوا في عام 2008.

وجاء في تقرير أعده رئيس الاستخبارات العسكرية الأميركية في أفغانستان، الجنرال مايكل فلين ونشرت مقتطفات منه في صحف أميركية، «ان فاعلية وتأثير حركة طالبان ازدادت». وحذر الجنرال فلين من أن «الوضع خطير»، مشيراً إلى ان «القدرات التنظيمية لحركة طالبان وقدراتها العملية، تعتبر ذات نوعية وذات انتشار جغرافي».

ومما يؤكد خطورة هذا التقرير، تصريح من الجنرال ستانلي مكريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان لصحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية، أعلن فيه بصراحة: «يكفي ما حدث من قتال». وكان قبل أسابيع معدودة قد قال إن تيار القتال يتحول ضد طالبان.

على هذه الخلفية فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ما هو السيناريو المرسوم للانسحاب الأميركي النهائي من أفغانستان؟

بالطبع لا يصح أن نتوقع من إدارة الرئيس أوباما ان تقول للرأي العام الأميركي وللعالم، ان الولايات المتحدة قررت الانسحاب لكي تتفادى هزيمة حاسمة صارت وشيكة.. وإذن، لا بد من اختلاق مبرر أو مبررات «معقولة» تحفظ ماء الوجه، وتجعل في الوقت نفسه قرار الانسحاب يبدو حكيماً ومقنعاً.

هنا تبرز التجربة الأميركية في فيتنام.

عند بوابة عقد السبعينات، ابتدع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون صيغة «فتنمة الحرب»، أي ترك الفيتناميين يقاتلون بعضهم البعض، بعد أن تصفي الولايات المتحدة وجودها العسكري هناك.

إلى جانب القوات الأميركية، كان يقاتل جيش حكومة فيتنام الجنوبية ضد عدو مشترك، هو قوات الثورة الفيتنامية. وكانت خطة الرئيس نيكسون تقضي بأن يتواكب مع انسحاب القوات الأميركية، تقديم دعماً عسكرياً للجيش الحكومي الفيتنامي، حتى يستطيع الصمود أمام قوات الثورة.

الآن نسمع شيئاً من هذا القبيل من كبار مسؤولي إدارة أوباما، بما يمكن إدراجه تحت عنوان «أفغنة الحرب»، أي تحويلها إلى حرب أفغانية ـ أفغانية، ليواصل جيش حكومة قرضاي مقاتلة قوات طالبان بعد انسحاب أميركي كامل.

لكن، سواءً في الوضع الفيتنامي أو الوضع الأفغاني، فإن الظاهر لا ينطبق تماماً على الباطن.

في مشروع «الفتنمة»، كان الرئيس نيكسون يعلم علم اليقين أنه بمجرد استكمال الانسحاب الأميركي من فيتنام، فإن جيش الحكومة الفيتنامية العميلة سوف ينهار أمام قوات الثوار.

وأغلب الظن الآن أن الرئيس أوباما يدرك أن الجيش الحكومي في أفغانستان، سيلاقي نفس المصير على أيدي طالبان.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae