مَن منا لم تبهره مقاهي باريس، فهي ربما إحدى العلامات المميزة لهذه المدينة الجميلة. والمقهى اسم اشتق من القهوة، كما هو واضح، ليس باللغة العربية بل باللغات الأوروبية ومنها الفرنسية، وهي المادة التي أدخلها أول ما أدخلها سليمان آغا، سفير السلطان العثماني محمد الرابع إلى فرنسا في العام 1669.

وهي أيضاً المادة التي نُظمت لجلبها رحلات تجارية إلى موطنها الأصلي في اليمن السعيد بعد نصف قرن تقريباً، حينما أضحى عدد المقاهي في باريس يناهز الثلاثمائة. كانت الرحلتان الأوليان (1708-1710) و(1711-1713)، كما يذكر كتاب يحمل اسم المقالة، نشره المجمع الثقافي في أبوظبي، فاتحة للعلاقة التجارية بين فرنسا واليمن.

وكان البن قبل تينك الرحلتين يأتي إلى فرنسا عن طريق مصر، حيث كان تجارها يذهبون إلى اليمن لجلبه، وأيضاً كان يتاجر به الهولنديون، إذ كانوا يرسلون سفينة واحدة كل سنة من بتافيا (أندونيسيا) إلى ميناء المخاء اليمني، حمولتها سبعمائة طن ويعبئونها بالبن والبضائع العربية ليوزعوها على أوروبا أو جزر الهند. وقد حط الفرنسيون بسفنهم الثلاث بقيادة دي لاروك (كاتب هذه المذكرات) في المخاء في الثالث من يناير، وبقيت سفنهم راسية فيه لمدة ستة أشهر.

ولم تكن المخاء مسكناً لإمام اليمن، وكان يومها المهدي محمد بن أحمد بن الحسن القاسم، بل كان يتخذ من قلعة قريبة من ذمار تسمى «حصن المواهب» مقراً له، وهي تقع في منطقة جبلية وعرة. أما المخاء فكان يحكمها وال من قِبَله، وكان هذا من أثرى الأثرياء لاشتغاله بالتجارة.

وقد قدر لاروك عدد سكان المخاء التي «ليست بحجم عدن ولكنها أصبحت أكثر أهمية مؤخراً ـ كما يكتب ـ بحوالي عشرة آلاف نسمة، أغلبهم من المسلمين عدا بعض الأرمن واليهود»، وهم «كلهم سمر وبنيتهم جيدة جداً، وهم مهذبون للغاية». أما التجارة، فبيد «البانيان» ليس في هذه المدينة فحسب، بل في عموم الجزيرة العربية، وهم جميعاً من الهنود.

وطلباً لأسعار أفضل لابتياع البن، فقد انتقلت البعثة الفرنسية إلى مدينة «بيت الفقيه» الواقعة في الشمال الغربي من المخاء على بعد مسيرة يومين، وهي «مزدانة بالمساجد الجميلة ومنازلها مبيضة من الداخل والخارج، وبيوتها مبنية من الآجر». وأهلها «يكرسون كل بُنهم لتركيا، ويأتي التجار المصريون والأتراك إلى هنا لهذا الغرض، يحملون كميات كبيرة على الجمال».

أما البيع فهو نقدي، ذلك أن «العرب لا يداينون أبداً، ويوفون بمدفوعاتهم ببيزات مكسيكية.. ويقبلون الذهب أيضاً». وحينما حل وقت الرحيل، بعد نصف عام قضوه في بيت الفقيه، «فقد اشترينا البن كله ـ يكتب لاروك ـ من تلك المقاطعة وأرسلناه».

نجاح البعثة الأولى دفع الفرنسيين إلى تأسيس شركة لاستيراد البن، ونظموا رحلة أخرى بقيادة القبطان دي لاروك، الذي لم يكتف هذه المرة بالمكوث في المخاء ونواحيها، بل تعمق في اليمن ليزور إمامها في بلاطه الواقع في «حصن المواهب».

وهي «لا تشتهر بأي شيء غير كونها مقر الإمام، فهي غير واسعة والأسوار مبنية من الطين، وإحدى ضواحيها يشغلها بالكامل اليهود».«كان الإمام رجلاً عجوزاً، يبلغ من العمر سبعاً وثمانين سنة، حسن البنية، مقبول المحيا، تميل بشرته إلى السمرة» ـ هكذا يصفه لاروك ـ «ومن حسن الصدف أنه كان مريضاً فعالجه طبيب البعثة، وأخذ بالتحسن بينما الوفد كان في معيته، فلقي بذلك ترحيباً واهتماماً منقطع النظير.

وسلطات هذا الإمام واسعة تشمل مملكة فرتك (حضرموت)، حيث ينبت البخور واللبان وأغلى أنواع التوابل».

وفي تلك الأثناء، حضر مبعوث من القسطنطينية يمثل الصدر الأعظم، لرفع شكوى حول «ندرة وارتفاع أسعار البن في مصر ومناطق أخرى من تركيا، منذ أن جاء الأوروبيون مباشرة إلى البحر الأحمر وحملوا مراكب كبيرة به، مما أضر برعايا الدولة وأدى إلى تقليص الجمارك».

لم يكن الإمام مسروراً بالزيارة، لأنه بدا له أن الأتراك يضعون قيوداً على سلطته، و«بدا راغباً في توديع هذا الوزير المبعوث التركي في أسرع وقت». وأظهر الإمام اهتماماً بمعرفة فرنسا وأحوال ملكها، و«إن كان له أي تقدير للقهوة» التي قال إنها «هي أكثر الأشياء قيمة لدينا».

ولم ينس دي لاروك وقد نجحت بعثته الثانية، أن يصف «نساء هذه البلاد» حيث يقول عنهن إن معظمهن يضعن «خاتماً ذهبياً كبيراً في أطراف أنوفهن، ولديهن إلى جانب ذلك في سواعدهن ورسوغهن وفوق كواحلهن أساور من الفضة، والأجمل عندهن حليهن من الذهب، وهن عموماً يكثرن من الروائح والعطور، ناهيك عن تكحيل عيونهن، وهن يمسحن أكفهن وأقدامهن بنوع من الدواء (الحناء) يضفي على تلك الأعضاء لوناً جميلاً ويجعل الأظافر تبدو حمراء».

حقاً كانت اليمن بلاد العرب السعيدة!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com