مجابهة الدمار الذاتي

مجابهة الدمار الذاتي

ما هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الحديث عن الخلل في بنية المجتمع، وخاصة على المستوى العربي، وعلى امتداده في هذا الوقت بالذات؟ وما هي مقاصده؟ وهل بات الخلل في بنية المجتمع ظاهرة تستهدف أمن المجتمع العربي وسلامته مما يستدعي تناوله؟!

ونشير هنا إلى أن المقصود بهذا الخلل هو بروز الطائفية والعنصرية والعرقية، وغيرها من الأخطار التي تقع في هذا المجال. ولقد بات من المعلوم أن الإنسان حينما لا يستطيع تحقيق ذاته من خلال القنوات الرسمية، أو في ظل وطن يجمع بين كل الفئات والطوائف والأقليات، هنا يبحث عن مجموعة يعتقد أنها تحمي مصالحه بالدرجة الأولى، وتحقق له الأمن والأمان.

ولعل من المؤسف في معظم الأقطار العربية والإسلامية، أن القوانين والدساتير، وحتى العادات والتقاليد، لا توفر الحماية اللازمة لأفراد المجتمع كافة، ومن كل الفئات والأعمار والأعراق، بقدر ما ترمي إلى المحافظة على النظام واستمرارية السلطة، وتحارب كل من يحاول أن يخلق شرخاً فيها.

مما يدعو أفراد المجتمع إلى أن يبحثوا عن الحماية والرعاية والاستقواء بالقبلية حيناً، وبالطائفة أحيانا أخرى وبالأعراق ثالثة، مما يخلق المشاحنة والبغضاء في قلب المجتمع، ويزرع الشقاق بين أبنائه، بدلاً من أن تتوثق عرى التلاحم والتآلف في النسيج الاجتماعي لتلك الأوطان.

ومع عدم الالتزام بالقواعد التي توثق عرى الالتحام الاجتماعي، وفي ظل الصراع السياسي والاقتصادي، يظهر الشيطان الطائفي بشكل قاتل كما في العراق حالياً، وما حدث قبل ذلك في لبنان، حيث عانى المجتمع اللبناني من تلك الشياطين التي أشعلت الحرب الأهلية، والتي خسر فيها الجميع الوطن الآمن، والاستقرار، عندما كان يقتل الإنسان على الهوية دونما رحمة أو شفقة.

ويرحل مواطنون لبنانيون من قراهم إلى المنافي، لا لسبب إلا لأنهم من طائفة أخرى، حتى تدارك العقلاء من كل أطياف المجتمع مصلحة وطنهم، وأدركوا أهمية التلاحم الاجتماعي ولجم عنان الطائفية البغيضة، في سبيل الحفاظ على الإنسان والوطن.

أما هذه الأيام، فإن الطرح الطائفي والقبلي والعرقي، جاء لخدمة أجندة همها الرئيسي غرس عدم الاستقرار في المجتمع العربي خاصة، والإسلامي عامة، وهنا لا بد من التأكيد على أن إشعال الحرب الطائفية جاء لتأكيد مبدأ الهيمنة، وفي ظل عدم التزام معظم النظم السياسية باحترام الدستور، وتعمد اختراقه من أجل مصالح فئات معينة، ليس من مصلحتها تطور المجتمع نحو تأكيد المواطنة.

حيث إن ذلك سيؤدي إلى المزيد من التطور وركوب قطار التنمية بأبعادها الثلاثة، السياسي، والاقتصادي والاجتماعي، ولذلك فإنها ألهبت الطائفية التي نمت وترعرعت في أحضان بعض الأنظمة العربية وتحت رعايتها، لتحقق من ورائها أهدافاً آنية، ولكن المجتمع يدفع الآن أثماناً مضاعفة قد تستمر أزمات معيشية خانقة وأزماناً من العنف وعدم الاستقرار، دون أن تجد لها حلاً.

لقد كان الاعتقاد السائد، أن ازدياد نسبة المتعلمين سوف يساهم في تقارب الفئات الاجتماعية، ويساعد عملية الحراك الاجتماعي، إلاّ أن ما يحدث وللأسف يخالف هذا الاعتقاد، فالطبقة الوسطى في المجتمعات العربية باتت تتقلص بشكل ملحوظ، وكأن المجتمعات العربية تعيش حالياً حالة أوروبا في القرون الوسطى، حيث سادت طبقتان: النبلاء، والفلاحون، خاصة في بريطانيا. ومن هنا كان مجلس العموم ومجلس اللوردات.

ولقد أدى مثل هذا الغياب إلى حدوث تغيرات واسعة خلال العقود الثلاثة الماضية، مما ساهم في تعزيز الخلل الاجتماعي، وأدى إلى بروز تيار الإسلام السياسي، سواء السني أو الشيعي، كبديل عن الطبقة الوسطى التي تحرص على تقدم المجتمعات وارتقائها، وزرع بذور الديمقراطية والمشاركة الفاعلة بها.

ومن المؤكد أن إصلاح هذا الخلل يحتاج إلى مجهود جبار، وإلى العمل بشكل فعال في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، التي أدت إلى أن تدخل الدول ذات التعددية الدينية أو الطائفية أو العرقية، في حروب أهلية، نتائجها معروفة من الآن؛ خسارة الوطن، وتدمير الإنسان.

لقد آن الأوان (وبشكل لا مجال للجدل فيه)، للدعوة لفصل الدين عن الدولة، وترسيخ مبدأ المواطنة ذات الحقوق المتساوية، وذات الواجبات التي تترتب على المواطنة، والأخذ بمبدأ العدالة والمساواة والحرية، وأن تعمل مؤسسات الدولة حسب القوانين.

وليس حسب أهواء أي كان من أولئك الذين يعطون أنفسهم الحق في أن ينصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع، يأمرون وينهون، متجاوزين في ذلك جميع القوانين التي أخذت مشواراً طويلاً من الدراسة والبحث قبل صدورها، وحصلت على موافقة ممثلي الشعب ومتخذي القرار.

إن مصلحة المواطنين في أي مجتمع، هي أن تسود القوانين المدنية في جميع القضايا التي تختص بها تلك القوانين، وأن ينحصر دور هؤلاء الأشخاص في قضايا العبادات وأحكامها ونشر الأخلاق الحميدة والدعوة بالحسنى، بعيداً عن الترهيب أو استعمال العنف، كما يحدث في بعض البلدان التي يمارس فيها بعض الأفراد تحت مسميات مختلفة، دور المؤسسات في المجتمع ويقررون نيابة عن مؤسسات الدولة السماح بممارسة هذا النوع من السلوك أو النشاط أو إلغائه.

فهل تبدأ مرحلة الإنقاذ قبل فوات الآوان؟ وإلا فإننا مقدمون على مرحلة من الدمار الذاتي، قد تقضي على مفكري الأمة وروحها النابضة، من أفراد الطبقة الوسطى المتنورة والحريصة على تقدم المجتمع ورقيه، في ظل سيادة قوانين عصرية تبني الدولة، من خلالها، علاقتها مع مواطنيها على أسس الكفاءة والإخلاص، ولا تميز بين الأفراد على أساس الدين أو الطائفة أو العرق، فهذا هو طريق الخلاص.

استاذ علم الإجتماع السياسي

almutawa_mohammed@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات