التوجه الجديد للرئيس الأفغاني حامد قرضاي نحو تحقيق حلول سياسية للمشكلة الأفغانية أمر محمود وينبئ عن رؤية سياسية وطنية ناضجة،لأنه لا الحل العسكري ولا الأمني قادران على تحقيق الأمن والاستقرار في الأراضي الأفغانية في ظل رفع طالبان والأحزاب والقبائل المتحالفة معها لواء تحرير البلاد مما يعتبرونه احتلالا أجنبيا لبلادهم، وهو أمر يتناغم مع النوازع الوطنية والدينية المستقرة في ضمير الشعب الأفغاني الذي حارب من قبل جيوش إمبراطوريتين احتلتا أفغانستان هما الاتحاد السوفيتي وبريطانيا.

و تشديد الرئيس الأفغاني على دور سعودي في المصالحة الوطنية مع طالبان أثناء مؤتمر لندن عن أفغانستان ، ثم زيارته المملكة لشرح آماله في هذا السبيل، ينم عن تقدير سياسي رفيع من قرضاي للدور السعودي ، إلا أنه لا يغيب عن الذهن أن نجاح أي وساطة سياسية يتوقف على استعداد الطرفين لهذه الوساطة وقبولهما بالقواعد التي تستند عليها الوساطة.

وبالنسبة لطالبان فإن العلاقة الملتبسة حاليا بين طالبان والقاعدة ينبغي أن تتضح بشكل جلي، وأن تنفض طالبان يديها من منظمة موصومة بالإرهاب الدولي، ليس فقط من أجل نجاح الوساطة السعودية بل أيضا من أجل نقاء القضية السياسية الأفغانية من تشعباتها الدولية والالتباسات الحاصلة في صورة الوضع الأفغاني والمرتبطة بالإرهاب الدولي.

إن المملكة العربية السعودية التي كانت ومازالت رائدة المصالحات العربية والإسلامية لن تبخل على أفغانستان ولا على أية دولة شقيقة أو صديقة بالعون السياسي والدعم الإنساني، لأن سياسة المملكة قائمة على دعم الاستقرار في جميع الدول وتعزيز السلام والأمن في كل إقليم سياسي منكوب بالأزمات والمشكلات السياسية والأمنية. ونعتقد أن المملكة تتلمس في أي مسعى تقوم به تحقيق الشروط الموضوعية لنجاح الوساطة ، وهو قبول الطرفين للوساطة وقيام المباحثات بين الأطراف المختلفة على أرضية مشتركة.

وفي حالة أفغانستان لا بد أن أمن واستقرار أفغانستان وقيام دولتها الحرة المستقلة وذات السيادة أمور مهمة من أجل جلاء القوات الدولية وتحقيق الاستقلال الكامل لأفغانستان.

إن على الحكومة الأفغانية أن تنضج طبخة سياسية وطنية داخلية تسبق الوساطة السعودية، لأن المملكة لا تملك تأثيرا على طالبان المرتبطة مع القاعدة عدو المملكة الرئيس، إنما يمكن بناء علاقة إسلامية سليمة مع طالبان عندما تطهر نفسها من أية علاقة مع القاعدة أو أية شبهة صلة إرهابية، فالمملكة لا يمكن أن تكون صديقة لأية حركة مشتبهة بالإرهاب أو بعلاقة مع منظمة إرهابية.

وينبغي أن يكون هذا واضحا للجميع، فالمملكة أكثر بلد عانى من الإرهاب المنطلق من أفغانستان على مدى 15 عاما مضت.

وبقدر الحرص على استقرار هذا البلد المسلم الذي يمثل عمقا للأمن والاستقرار الإسلامي، فإن الجهود التي ينبغي أن تبذل يجب أن تكون جهودا مشتركة تتكامل فيها الرؤية الوطنية الداخلية مع الرؤية الخارجية وتتلاقح فيها جهود الأطراف كافة، وهو ما نعتقد أن الرئيس قرضاي يدركه ،حيث يسعى لالتئام اللوياجرجيا، من أجل جهد سياسي داخلي ينبغي أن يتواكب مع نوايا دولية لدعم أفغانستان وتحقيق الاستقرار الأمني والوفاق الوطني فيها.