نحتاج لفترة ليست بسيطة لكي نستوعب مفهوم الثقافة السياحية بين السكان، وعلاقة السياحة بالاقتصاد الوطني، باعتبار أن السياحة أحد مصادر التنوع للدخل الوطني. هذه الرؤية الشاملة لتعددية الاقتصاد الوطني وحقوله، تجعلنا نتوقف وبكل هدوء مع صناعة السياحة كقطاع حيوي في اقتصاديات البلدان، غير النفطية.

حيث الدول الصناعية الكبرى سبقتنا في هذا المضمار، كما تطورت شعوب آسيا الأكثر زراعية في تنميتها في حقبة من ستينات القرن المنصرم، ولكنها مع التوجه نحو اقتصاد الخدمات والسياحة والتنويع الاقتصادي، وجدت نفسها تحقق لخزينتها الوطنية دخلا مرتفعا.

لا نريد هنا استخدام أمثلة من نماذج عالمية في مناطق مختلفة، ولكن المهم هو كيف نجحت تلك البلدان وباتت علامة مميزة كوجهات سياحية؟ أحد أهم تلك النجاحات وليس كلها، هو توفر عناصر كثيرة، من أهمها التنظيم بين القطاعات المتعددة المرتبطة بقطاع السياحة.

وسنتناول هنا قطاع سيارة الأجرة وسائقيها أو شركاتها الجديدة، باعتبار أن المواصلات المنظمة تنظيما جيدا في فضاء سياحي، تشكل عنصرا هاما لمتطلبات السياحة، وتصبح سيارة الأجرة وسائقوها هم المهم في كل عملية خدماتية. فماذا يحتاج القطاع السياحي لتوجيه هؤلاء؟ وكيف يعمل المرور مع بشر يقودون سيارات أجرة في مجتمع يتوق لترقية سياحته بالتدريج؟

لدينا هنا عنصران: الإنسان (السائق)، والسيارة. وقد نجد سيارات تابعة لشركة عملاقة بأسطولها المنظم، وسيارات أجرة خاصة يعمل فيها الأفراد لوحدهم ووفق مزاجهم وظروف عملهم، وهؤلاء قد تكون لهم ميزتهم السلبية ومزاياهم الايجابية، مثلما هناك ميزة أكثر أهمية نجدها في سائق الشركات المنظمة.

غير أن من سيتعامل معك كزبون/ سائح داخل السيارة، هو السائق وليست السيارة، وإن كان من ضرورات الخدمة السياحية أن تكون للسيارات اشتراطاتها الخاصة. فليس ـ على سبيل المثال ـ بإمكاننا في حر أغسطس أن نقول للزبون «أنا آسف، المكيف لا يدفع الهواء البارد بشكل مناسب».

والانكى من ذلك أن نقول له «نحن آسفون لأنه عاطل عن العمل»، أو نزعجه بأصوات الغناء أو الأحاديث التي لا تناسب مزاجه، وقد تسبب له إزعاجا وربما نوعا من «التعذيب المؤقت»، مما يجعله ينفر من سلوك سائق التاكسي هنا ويمتدحه هناك، ويتضايق منه في هذا المكان، بينما يرتاح له في مكان.

فهل يستوعب الآن قطاعنا السياحي البحريني في انطلاقته السياحية المبكرة من الألفية، معنى وظائفه ودوره في تنظيم اقتصاد رابع، دخل في صناعة الاقتصاد العالمي كرقم هام. قد تكون هناك أخطاء صغيرة، لكنها قد تكون أحيانا فادحة، تسيء إعلاميا وسياحيا للجهة التي تتم فيها. وكل زلة صغيرة في السلوك الكاذب والمخاتل والفوضوي .

وغياب دقة التنظيم والمواعيد، وإظهار نوع من الجلافة وغيرها من المسلكيات المقيتة، كلها تنتج في النهاية بلدا سياحيا فقيرا، ليس في تاريخه وقد لا يكون فقيرا في جمالية طبيعته وغيرها من أمور سياحية، ولكنه فقير جدا في خدماته السياحية، والتي تبدأ بأول بادرة فيها، وهي الابتسامة والاتيكيت، وهي مفتاح الجاذبية الأولى لشعور السياح بالارتياح عندما يضعون أقدامهم في بلد ما.

وهذا ما يطلق عليه في فن السياحة «الانطباع الأول» نيَُّّْ يٍِْمََّّيَُ، وقد يبدأ هذا الانطباع مع المسافر من مكتب خطوط طيران بلدك في الخارج، ثم يتسع مع ضيافة خطوط الطيران في الفضاء، وإذا لم يستخدم الاثنين، فان أول من سيلتقي به السائح في مدخل المطار أو الميناء هو الوجوه البشرية.

وهي تبدأ من ابتسامة الشرطي حتى بلوغه إلى كونتر الجوازات. وكل هؤلاء معنيون بتعلم «فن الابتسامة»، فكم من مدرس مبتسم أدخل بهجة في قلوب الأطفال والتلاميذ، وكم منهم أفزعهم بوجهه المكفهر!

ما غاب عن ثلاثة أطراف، هم رجال المرور وقطاع السياحة وسائقو الأجرة، خلال استقبال فوج سياحي مؤخرا في البحرين، هو ذلك التفاهم المتناغم بينهم لكي تنجح العملية السياحية، ولكن حدثت تلك الدربكة يجب أن توقظ فينا شعور المسؤولية لاقتصادنا الوطني من خلال بوابة جديدة هي السياحة، وما أدراكم ما هي السياحة!

لقد تساءل ذات يوم رئيس أحد البلدان؛ كيف تستطيع إسبانيا أن تجتذب سنويا أربعين مليون سائح ولم نستطع نحن أن نجتذب إلا مليونين، رغم أن لدينا ما لدى إسبانيا من شواطئ وتاريخ وحضارة وثقافة؟ ولكنه للأسف نسي أن يعرج على بوابة مهمة، هي الخدمات السياحية وهي محور نجاح كل سياحة.

ما تحاول انتهاجه مملكة البحرين على خطى الإمارات وفي مقدمتها دبي، في ترويج وتطوير السياحة البحرية، ليس إلا خطوة الألف ميل في عالم السياحة، حيث نعتبر أنفسنا في مرحلة الحضانة قياسا بدول عريقة، ومع ذلك تقدم لنا مؤشرات الأرقام تفاؤلا بأن الخطوات مفتوحة على أفق واسع من الازدهار السياحي.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com