من وجهة نظر المحللين الملمين بالشأن اليمني، يبدو مؤتمر لندن الذي عقد مؤخرا حول اليمن ودام نحو ساعتين، وحضره مسؤولون من اليمن ودول مجموعة الثماني ومجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن وتركيا، وممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد والبنك الدوليين، محدوداً في رؤاه وتصوراته لمعالجة المسألة اليمنية.

إلى جانب قضية فلسطين التي تشغل بال العرب منذ ما يزيد عن ستين سنة، برزت في العالم العربي مسألة جديدة تُدعى المسألة اليمنية التي تحتوي على أربع أزمات مستعصية:

الأولى تتعلق بمسألة شرعية وبقاء الدولة اليمنية المعاصرة، التي تمخضت عنها وحدة شمال اليمن مع جنوبه في دولة وحدوية في 22 مايو 1990. وقد وجدت هذه الدولة نفسها في مرمى لحروب أهلية مزدوجة ومستمرة منذ العام 1994، تُمارس من جهة باسم الكيانات الانفصالية ومن جهة أخرى باسم وحدة أوسع لليمن. وقد عاد الانفجار المتعلق بالتمرد الحوثي إلى الظهور بقوة في حرب صعدة الأخيرة، التي أضعفت السلطة المركزية كثيرا.

والحوثية المتماهية مع أيديولوجية الدولة الإيرانية ونموذج حزب الله اللبناني، هي انشقاق داخل الطائفة الزيدية، بوصفها طائفة من الإسلام الشيعي تقيم في المناطق الجبلية في شمال اليمن، لكنها تختلف بوضوح عن الشيعة الإثني عشرية التي تشكل الأكثرية في إيران.

الثانية، تتعلق بالصراع بين السلطة المركزية اليمنية وتنظيم «القاعدة» الذي أصبح يجد في اليمن ملاذا آمنا له، ولا سيما أنه يطرح قضية «الجهاد» ضد أميركا. وفي اليمن البلد المحافظ دينيا، يعتبر «الجهاد» جزءًا من الثقافة المحلية.

خاصة أن القبائل اليمنية قوية ومدججة بالسلاح، وتسيطر على مناطق واسعة من البلاد، وهي غيورة على استقلالها تجاه السلطة المركزية الضعيفة، وأصبحت بذلك تشكل ملاذات آمنة للحركات الإسلامية المتشددة.

الثالثة، تتعلق بتنامي النزعة الانفصالية التي يقودها نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض. وقد برز ما يسمى «الحراك الجنوبي» بوصفه تجسيداً لمشروع سياسي، أصبحت أولى اختياراته الاستراتيجية وأكثر ها راديكالية، هي الانفصالية في مواجهة الدولة المركزية اليمنية التي تعاني من إخفاقات عديدة في محاولات ترسيخ الوحدة.

ويبدو أن هذه التربة اليمنية المخلخلة بعمق وفقاً لأصول قوى قبلية ودينية، ليست بعيدة عن «البلقنة»، أعني عن التفتت إلى «دول» أحادية الطائفة، يرتقبها بعض المتنبئين.

الرابعة، تتعلق بالأزمة الاقتصادية في ظل غياب استراتيجية تنموية حقيقية للخروج منها. فاليمن يبلغ تعداد سكانه 23 مليون نسمة، وقد أنتجت له الأزمة الاقتصادية فقرا يؤثر على نحو 42% من الشعب، فضلا عن أن 40% من سكانه يعانون البطالة.

والكهرباء في اليمن لا تصل إلا لنحو 42% من الشعب، أما الماء الصالح للشراب فلا يصل إلا لنحو 26% من السكان. ولا شك أن الفقر والبطالة يشكلان المادة الحقيقية التي تغذي الإرهاب.

مؤتمر لندن الذي تقف وراءه بريطانيا وأميركا بالدرجة الرئيسة، بحث موضوع التدخل العسكري الخارجي لدعم اليمن في حربه على الإرهاب، رغم النفي الأميركي الرسمي لأي تدخل عسكري مباشر إضافي، أي خارج أفغانستان والعراق.

وعلى الرغم من أن المؤتمر انتقد أداء الحكم اليمني في الملفات كلها، ولا سيما في موضوع الفساد، حيث جرى التركيز على أنه يصعب التصرف بطريقة سليمة وصحيحة بالأموال والمساعدات الاقتصادية لليمن، في ظل وجود جهاز دولة ينخره الفساد والزبائنية، فإنه يظل عاجزا عن إيجاد حلول حقيقية للخروج من أزمات اليمن.

وحده المشروع الوطني الديمقراطي، الذي يبلوره مختلف مكونات المجتمع اليمني السياسية والدينية والقبلية، هو القادر على تقديم أجوبة عقلانية وواقعية للتحديات التي يواجهها اليمن، في أبعادها الثلاثة: تحقيق الإصلاح السياسي والمصالحة الوطنية عبر بناء دولة القانون، أي دولة المواطنين كلهم، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر محاربة الفساد، وتحقيق الأمن الداخلي والإقليمي والدولي.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org