يؤمن البعض، وأنا منهم، بأن بعض الدول الأوروبية يعاني حاليا من تراكمات التطور السياسي والفكري الممتد منذ بدايات القرن العشرين، لا سيما ما يتعلق منه بميراث الأيديولوجيات المختلفة التي حرّكت مسار ومصير القارة القديمة طوال تلك الفترة.
ويصر البعض الآخر على تبنّي مواقف متمادية في شجاعتها، ليزعموا أن ثمة حالة انفصام للشخصية السياسية في تلك الدول، بلغت أشكالا مختلفة على مر السنين، لكنها وصلت اليوم إلى ذروة فريدة من نوعها.
فالتيارات السياسية المسيطرة حاليا بدأت تتحرك بشكل ملحوظ لإحداث نقلة نوعية في فهم الممارسة الديمقراطية، بل ذهبت أبعد من ذلك لتشير إلى الأحكام والمعايير التي من المفترض أن تتقيّد بها شعوب أوروبا لكي تنعم بهذه الديمقراطية.
وبالطبع، فإن المقصود في تلك الإشارات لم يكن المفاهيم العامة المتعارف عليها، بل ما باتت التيارات الفكرية الحاكمة تسوّق له، وخصوصا ما هو مرتبط بتطور الأوضاع السياسية الآنية.
إن أبرز مثال على ذلك، هو الصراع المستعر حاليا بوضوح بين تيارات تصف نفسها بحماة الديمقراطية والعيش الرغيد، وبين قوى لا تزال مؤمنة في قرارة نفسها، وهذا حقّها طبعا، بأنها تمثل شرائح معيّنة من الشعب والمجتمع، وترغب بالتالي في الاستفادة من الآلية الديمقراطية الانتخابية لكي تؤكد ذلك بالأدلة والبراهين.
فالأولى ترى في الثانية مصدرا للقلق بسبب ما تصفه بالأفكار المتطرفة التي تتبناها، والثانية تنظر للأولى بنفس المنطق، باعتبار أنه لا يحق لها تفصيل المقاييس الديمقراطية وفق أهوائها الذاتية.
الغريب أن الطرفين يعتمدان في جدلهما المتعثر حاليا، على سلسلة من المفاهيم المتعارف عليها، ومختصرها أن الشعب هو الحَكَم في كل خيار ديمقراطي حقيقي. لكن عندما يحين وقت التطبيق نجد الطرف الأقوى، الموجود في السلطة غالبا، خائفا من هذا الحَكَم لأسباب غير منطقية حتما.
وبرغم وجود فوارق واعتبارات كثيرة في دول مختلفة، إلا أنه يمكن تقسيم الصراع القائم بين ما يلي:
ـ التيارات السياسية المتعارف عليها (من أحزاب اليمين والوسط واليسار وما يتفرع منها وبينها)، والتي تشكّل في الوقت الحاضر معظم النسيج السياسي الأوروبي.
وتضم هذه التيارات مروحة واسعة من الانتماء الأيديولوجي الذي يبيّن التمثيل الصحيح للقوى في البرلمانات الوطنية لدولها، باعتبارها «ديمقراطية» المنشأ والهوى والممارسة، حتى لو اختلفت في أدائها السياسي المحلي وفق طبيعتها الأيديولوجية.
ـ التيارات السياسية الناشئة حديثا بقالب جديد، لكن المعتمدة في أفكارها على مخزون ثقافي وأيديولوجي قديم لا يزال راسخا في نفوس بعض الأوروبيين على ما يبدو، وهو ما يعزز مشاعر الخوف والقلق التي سبق أن أشرنا إليها.
وتبرز في هذا السياق التيارات الفكرية القومية المتشددة، النازية الهوى والتوجه، لكن أيضا التيارات الفكرية الشيوعية المتطرفة، لا سيما تلك التي لم تتمكن من هضم التحولات السياسية الصارخة والثورية، التي حدثت في التسعينات من القرن الماضي وأدّت لتغييرات جذرية في الخارطة الجيو ـ سياسية لأوروبا.
فهذه الأخيرة تبدو في تحركاتها وأفكارها متمرّدة على الأحزاب الشيوعية التقليدية، التي اضطرت للانسجام مع التغييرات المذكورة، دون أن تكون بالضرورة موافقة عليها تماما.
في هذا السياق يبدو الصراع متفاقما شيئا فشيئا بوتيرة متسارعة، آخذا في بعض الحالات أشكالا مثيرة ستساهم في قلب المفاهيم الديمقراطية المتعارف عليها. فالمجموعة الأولى تسعى بكل قواها ومن خلال اعتمادها على نفوذها في السلطة، لممارسة القمع المبطّن بكل ما أوتيت من قوة، إيمانا منها بأن أي تساهل حيال القوى النازية أو الشيوعية المتطرفة، سيساهم لاحقا في إطلاق عملية تغيير جذري في موازين القوى السياسية والتمثيل الشعبي الشامل في المؤسسات الديمقراطية.
وهذا تصور مخيف بحد ذاته، لأنه يعكس لنا وضعا جديدا آخذا بالتطور والانبلاج، مختصره أن القوى المثيرة للقلق باتت تحظى بثقل شعبي واضح يؤهلها للتطور والاستمرار، بل المنافسة الفكرية والسياسية بثقة متناهية بالنفس.
ولعل ما يزيد من نسبة الإثارة في هذه الصورة الآخذة بالتكامل، هو أن القوى الديمقراطية المسيطرة على الحكم والمعارضة في آن، تبدو غير قادرة على وضع الحلول الناجعة لتبرير ما يحدث، فتراها تلجأ لحلول في غاية التسرّع والمراهقة.
مثل إصدار قرارات بمنع المجموعات التي لا تتلاءم فكريا مع التوجه العام القائم، لكن الأخيرة تكون عادة قادرة على استحصال أحكام قضائية مناقضة تماما للقرارات الحكومية، وهو ما يساهم في زيادة شعبيتها وثقتها بالنفس.
لقد بدأت حالة الكر والفر هذه تفرز وضعا سياسيا جديدا في القارة الأوروبية، يساهم في حده الأدنى في إدخال عناصر فكرية جديدة على التركيبة البرلمانية القائمة. وهذا وضع نراه حاليا في دول برلمانية عريقة، مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك وغيرها.
حيث تمكّنت الأحزاب القومية المتشددة من فرض نفسها على الخارطة السياسية وتاليا الشعبية، انطلاقا من سلسلة من الشعارات التي تعتمد عليها، وخصوصا ما يعتمد في جوهره على رفض ثقافة المهاجرين الأجانب المتغلغلة تدريجيا في تلك المجتمعات.
هذا في ما يخص الأحزاب النازية الجديدة. أما تلك التي تتبنّى النظرية الماركسية ـ اللينينية المتشددة، فتراها تصارع الوجود في الدول الديمقراطية حديثة التكوين، وخصوصا تلك التي التحقت مؤخرا بركب المنظومة الغربية بعد إعلانها التمرّد على الشرق الشيوعي المندثر، مثل المجر وسلوفاكيا وتشيكيا وبولندا وغيرها. أوروبا تعيش حالة انفصام في الشخصية السياسية، ستفرز حتما وضعا جديدا مع مرور الأيام وازدياد أعداد المهاجرين إليها.
ما يبقى غير مفهوم لكثيرين، هو سبب تنامي شعبية الأحزاب والقوى النازية الجديدة في دول عانت الأمرّين من قمع الحكم النازي وصلافة قائده! وهو سؤال آني يبقى برسم الديمقراطية الأوروبية الحائرة.
كاتب لبناني