رغم أن معركة انتخابات الرئاسة في أوكرانيا لم تحسم نهائيا، وما زالت مفتوحة على احتمالات مختلفة، إلا أن الجولة الأولى من الانتخابات حسمت أمرا مهماً للغاية، وهو خروج زعيم الثورة البرتقالية فيكتور يوشينكو من دائرة الضوء، بعد النتيجة الهزيلة التي حصل عليها في الجولة الأولى.

وبهذه الحقيقة الفاقعة، يمكن القول إن الثورات الملونة التي دعمتها واشنطن والغرب معا، وقال عنها الرئيس الأميركي السابق بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، إنها نموذج الديمقراطية الأميركية الذي سيقتدي به الآخرون في بلدان العالم، قد بهتت ألوانها وانكشفت حقيقتها، بعد أن رفضها الشعب الأوكراني بوضوح، هذه الديمقراطية التي لم تجلب لأوكرانيا إلا المشاكل والانهيار الاقتصادي.

ومما لا شك فيه أن النتائج المعلنة للجولة الأولى للانتخابات الأوكرانية، أرضت القيادة الروسية، بغض النظر عمَن سيفوز في جولة الإعادة، فالأهم أن يترك يوشينكو منصب الرئاسة.

ومن غير المتوقع أن يُقبل الرئيس الأوكراني الجديد (أي رئيس) على تغيير طبيعة العلاقات الأوكرانية الروسية تغييرا نوعيا، فأي شخص يتسلم سدة الرئاسة الأوكرانية لا بد أن يهتم أولا بتدعيم استقلال أوكرانيا عن روسيا، أيا كانت مشاعره تجاه روسيا التي تملك كثيرا مما يفيد ويخدم مصالح الأوكرانيين.

ولكن مع ذلك فإنه من المؤكد أن الرئيس الأوكراني الجديد، لن يتصرف من منطلق العداء لروسيا متبعا الخط السياسي الذي انتهجه الرئيس يوشينكو، بل سيتصرف على نحو عقلاني عملي من منطلق مصلحة أوكرانيا العليا، التي توجب على الرئيس الأوكراني التركيز على توفير أسباب الديمومة لبلاده التي تبقى بطبيعة الأشياء تابعة لروسيا في المجال الاقتصادي، وبالتالي سيضطر الرئيس الأوكراني الجديد لبحث وقبول حلول ترضي موسكو أيضا.

ومَن يريد الإجابة عن السؤال: أيهما أفضل لروسيا؛ تيموشينكو أم يانكوفيتش؟ فهو كمَن يضرب أخماسا في أسداس. صحيح أن يانكوفيتش يعد من أصدقاء وحلفاء روسيا، وقد يكون مواليا لموسكو مقابل أن تعطيه حوافز اقتصادية، كتخفيض أسعار بيع الغاز الطبيعي الروسي إلى أوكرانيا، لكن الممارسة أثبتت أن تيموشينكا وإن كانت تدلي أحيانا بتصريحات معادية لروسيا.

إلا أنها لا تدير ظهرها لنظيرها الروسي فلاديمير بوتين، بل تبدو مستعدة لتحقيق التفاهم معه بعيدا عن التشنج، ولوحظ أن التعامل مع تيموشينكا أمر يسير بالنسبة لبوتين، الذي ربما يفضلها عن غيرها لأسباب لا يعلمها أحد سوى بوتين نفسه.

وحتى لا يفهم أحد أنها أسباب خاصة أو شخصية، نوضح بأن بوتين رجل المخابرات السابق، يفضل التعامل مع العملاء المزدوجين أكثر من الحليف القوي المكشوف والمحروقة أوراقه، ووجود خط اتصال بين أوكرانيا وأوروبا عن طريق تيموشينكا، أفضل من انعدام وجوده تماما مع يانكوفيتش.

وطالما المصالح الروسية مضمونة، فلا مانع من انفتاح أوكرانيا قليلا على الغرب، وهذا في النهاية ستستفيد منه روسيا، أما مع يانكوفيتش فربما تصبح روسيا مسؤولة عن أوكرانيا بشكل كبير يكلفها الكثير.

ومن اللافت للنظر أن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف أوعز لسفير روسيا لدى أوكرانيا بمباشرة عمله، في نفس اليوم الذي أعلنت فيه اللجنة المنظمة للانتخابات الأوكرانية نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 17 يناير.

واعتبرت أوساط مراقبة أن هذا يعني أن الكريملين أصبح مطمئنا على الأوضاع القادمة في أوكرانيا، بغض النظر عن نتيجة الجولة الثانية القادمة في فبراير.

وكان قد تم تعيين ميخائيل زورابوف سفيرا جديدا لروسيا لدى أوكرانيا قبل ما يزيد عن نصف العام، إلا أن الرئيس الروسي ميدفيديف وجه رسالة قوية إلى يوشينكو في أغسطس الماضي، قال فيها إن سفير روسيا لن يصل إلى أوكرانيا إلا عندما يصبح لها رئيس جديد، وكأن الكريملين كان على يقين من أن الشعب الأوكراني سيختار الخيار المناسب والمفيد، وأن يوشينكو لن يبقى.

لقد انقلب سحر الديمقراطية الأميركية على الساحر الأميركي، وبهذه الديمقراطية ذاتها كسبت موسكو وخسرت واشنطن، والبقية ستأتي في جورجيا قريبا.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail