نحو توحيد التيار الديمقراطي

نحو توحيد التيار الديمقراطي

لنعتبر من حال إخوتنا الفلسطينيين، الذين اعتبرنا قضيتهم في مقدمة قضايا حركة التحرر الوطني العربية.

لنبحث، كما يفعلون عن نفس الدواء. فصائل اليسار الديمقراطي تراجعت بعد أن كانت تشكل 30% من القوى السياسية الفلسطينية، لتحصل على 8% فقط من أصوات الناخبين في انتخابات المجلس التشريعي 2006، وحظيت الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحزب اتحاد الشعب والاتحاد الديمقراطي مجتمعين، بخمسة مقاعد فقط من بين 132 تقاسمها ممثلو فتح وحماس.

ومع هذا الحضور الضعيف للقوى الديمقراطية، تسارع تصدع كل البناء الفلسطيني الداخلي، القائم على ركيزتي فتح ـ حماس المنشغلتين بصراعهما القاتل.

مراجعة هذا الوضع من قبل يساريين، حاليين وسابقين، غيورين حقيقيين على قضية شعبهم، وعلى دور أحزاب اليسار في صيانة الوحدة الوطنية وصون القضية الفلسطينية، حدا بهم إلى التداعي من القواعد إلى مؤتمر تأسيسي لوحدة التيار الوطني الديمقراطي التقدمي في رام الله في 26 ديسمبر 2009. وبالتنسيق مع يساريين سابقين في قطاع غزة، سيتواصل العمل من أجل عقد مؤتمر عام للتيار في الصيف القادم.

يمكن ببساطة أن نقرأ في القصة الفلسطينية قصتنا البحرينية كذلك. هنا أيضا تشغل قضية وحدة التيار الوطني الديمقراطي منذ زمن بال الغيورين، من داخل وخارج التنظيمات السياسية القائمة.

بعد خروج «وعد» من حالة «المشاطعة» لتستقر عند خيار المشاركة، بدا ظاهريا وكأن الماكينة ستطلق على الفور نحو إعلان التيار الديمقراطي، وإعلان برنامجه الموحد البديل لبرامج القوى السياسية الأخرى، في الانتخابات النيابية والبلدية 2010.

غير أننا نشهد الآن أن عملية قيام التيار تأخذ من السلحفاة بطأها.. وعسى أن تأخذ حكمتها في نهاية المطاف. وكلما تباطأ العمل بين المنبر التقدمي ووعد خصوصا، وبينهما والتجمع القومي عموما، كلما استنفر ذلك الشخصيات لتلعب دور المُحفِّز، كما يفعل العامل المساعد في التفاعلات الكيميائية.

ولشدة رغبة بعض هذه الشخصيات في بلوغ نتائج عاجلة ما أمكن، فقد أمعنت في إلهاب ظهر المنبر ووعد بسياط نقد تجاوزت اللائق أحيانا، وهبطت إلى درجة قول أُفٍ ونهرٍ لأُمِّها وخالتها معا.

ذلك يستدعي ضرورة تخلص الوسطاء أنفسهم، من وهم أن القوى السياسية بحاجة إلى مُرَبٍ، وتأكيد الحاجة إلى عامل مساعد ليس أكثر، ومتجرد ليس أقل. التجرد والحياد في سياق الانحياز والانتصار لحق مشروع التيار.

الوهم الثاني الذي يجب التخلص منه، هو التوجه للبحث عن أسباب تباطؤ أو تعثر قيام ت. و. د. في الماضي أكثر مما في الحاضر. ليس الأمر كذلك، وبدرجة تساوي العكس تقريبا. والدليل أن شخصيات حاملة لإرث الماضي، هي أهم من نشط لحفز العملية. أما الماضي ذاته، ورغم كثير من سلبياته، فكان يشكل حالة تنسيقية أفضل من الحاضر.

الآن، عندما نجد أن الخلافات التاريخية حول قضايا فكرية وسياسية عربية ودولية قد تراجعت، تتسع الخلافات حول أمور تكتيكية ـ سياسية داخلية حالية، فيجب أن نُقرَّ بأن السبب يكمن في اختلاف المقاربات لقضايا موضوعية حاضرة تجب رؤيتها كما هي، والبحث عن حلول تقتضي إعادة حسابات لمقاربات المصالح الذاتية، ومن أجل تأمين حضور التيار ببرنامج مشترك وبديل لما هو فاعل الآن، في الساحة السياسية بكل ما يجره من أخطار على الدولة والمجتمع.

الوهم الثالث، هو المراهنة على دعم الحكومة أو المعارضة الدينية لوحدة ت. و. د. في مواجهة الأولى والثانية لإحداهما الأخرى.

صحيح أن لكل من هذين الطرفين مصالح مشتركة ما مع التيار الديمقراطي، لكن من الممكن ومن الأسهل تحقيق هذه المصالح بالتعامل مع كل مكون من ت. و. د. على انفراد. بهذه الطريقة يُجيَّر التعاون لصالح مشروع واحد من الجهتين أو كلتيهما، وعلى حساب إضعاف ت. و. د. ذاته. النتيجة واضحة، وهي أن التيار فقد شبهه بالبحرين، وأصبحت البحرين لا تشبه نفسها بسبب تصدع الوحدة والهوية الوطنية.

الوهم الرابع، هو المراهنة على الجماهيرية الظاهرية، سواء في انتخابات 2002 أو 2006. الأولى ظهرت للمنبر بسبب مقاطعة المعارضة الدينية، والثانية تراءت لوعد بسبب مشاركة المعارضة إياها و«الدعم» الذي أبدته، وكانت لكل حالة نتيجتها.

ويمكن الجزم بأنه لا حالة 2002 ولا حالة 2006 ستتكرران في 2010. ويبقى البديل الواقعي لهذا الوهم، هو تحول نوعي لمحيط واسع من الرأي العام، تحدثه وحدة القوى الديمقراطية في برنامج مشترك بديل، يجتذب أوساط الليبراليين ورجال الأعمال والمتنورين في الدولة والمجتمع.. برنامج يعيد للتيار الديمقراطي تاريخه النضالي العريق، وللبحرين شبهها بالتيار الديمقراطي، الوطني حقاً.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات